أخبار متفرقة

ما الذي يجعلك تسمح بالتعذيب؟

تخيَّل أن شخصاً قريباً منك كان في خطرٍ داهم، والحل الوحيد هو أن تستخدم الشرطة التعذيب من أجل استخلاص معلوماتٍ من مُشتَبَهٍ بهم مُحتَجَز. هل ستوافق على ذلك أم لا؟ 

بينما يظلُّ التعذيب موضوعاً مثيراً للانقسام في الكثير من الدول عبر العالم التي تسمح بممارسته، تقدِّم التشريعات الدولية المُتعلِّقة بحقوق الإنسان، علاوة على التشريعات القانونية لأغلب الدول، حمايةً قانونية قاطعة ضد التعذيب تحت أيِّ ظرفٍ كان. وتتسق استطلاعات الرأي في إظهار أن 34% من الناس حول العالم يؤيِّدون استخدام التعذيب، رغم أن النسبة تتفاوت من بلدٍ لآخر. ورغم الإجماع على أن التعذيب فعلٌ غير أخلاقي وغير فعَّال، سواء باعتباره وسيلةً للعقاب أو وسيلةً لاستخلاص المعلومات، لا تزال هناك جدالاتٌ حول استخدامه. ولا تزال قضايا مثل الترحيل للتحقيق في دولٍ ذات قوانين أقل تمسُّكاً بحقوق الإنسان، والتعذيب بأسلوب الإيهام بالغرق، علاوة على التعريف الدقيق للتعذيب نفسه، عاملاً مؤثِّراً في العلاقات الدولية، خاصةً بالنظر إلى “الحرب على الإرهاب” الجارية والتي لا تُظهِر أيَّ أمارةٍ على قرب انتهائها. 

لكن هل هناك ظروف من شأنها أن تدفع الناس الذين عادةً ما يرفضون التعذيب أن يقبلوا استخدامه؟ ولماذا يظلُّ التعذيب قائماً هكذا رغم التاريخ الطويل الذي يفتقر إلى أيِّ دليلٍ حقيقي على فاعليته؟ طَرَحَ باحثو علم نفس السلام أن الكثير من الناس الذين يدافعون عن استخدام التعذيب غالباً ما ينخرطون في “تفكيرٍ بالتمني” حول طريقة عمله التي تُجدي نفعاً. ويتمثَّل عاملٌ آخر يتعلَّق الفرق بين ما إذا كان الناس يقبلون استخدام التعذيب أو يرفضونه، في القرب الشخصي. بعبارةٍ أخرى، من الأكثر ترجيحاً أن يدعو شخصٌ إلى استخدام التعذيب إذا كانت حياة أحد أحبائه على المحك. 

في دراسةٍ بحثية جديدة نُشِرَت في دورية Peace Psychology، فَحَصَ فريقٌ من الباحثين بجامعة مونتانا كيف أثَّر القرب الشخصي على المواقف من استخدام التعذيب. أجرى قائدا البحث، شانون هوك ولوسيان كونواي، تجربتين لاختبار كيفية تغيير التصوُّرات عند الناس اعتماداً على ما هو على المحك. وفي حوارٍ مع نافذةٍ إعلامية محلية، طَرَحَت هوك أن استطلاع الرأي العام فشل في تحديد دور القرب الشخصي في شعور الناس تجاه التعذيب. قالت هوك: “لا يتعلَّق الأمر بخطأ استطلاعات الرأي العام أو شيءٍ من هذا القبيل. إنه يعني فقط أنهم لا يدركون الأبعاد كلها”. وأضافت: “يتغيَّر الأمر حقاً حين يكون لديك أحد أحبائك في هذا السيناريو”. 

وبعد إشراك 262 شخصاً على الإنترنت، باستخدام نظام Mechanical Turk التابع لشركة أمازون، قدَّمَت هوك وزملاؤها الباحثون سلسلةً من السيناريوهات الافتراضية الهادفة إلى اختبار المواقف من التعذيب. وَصَفَت السيناريوهات كلها أزمةً داهمة، سواء تضمَّنَت قنبلةً موقوتة أو حالة اختطاف. ومع وجود شخص مذنب قيد الاحتجاز يملك معلوماتٍ قد تمنع خسارةً في أرواح أبرياء، سُئِلَ المشاركون في البحث ما إذا كان التعذيب مسموحاً به في هذه الحالات. 

ولاختبار تأثير القرب الشخصي، وُضِعَ هذان الظرفان أمام المشاركين بشكلٍ عشوائي: ما إذا كان الشخص محل الخطر الداهم غريباً عليهم تماماً أو أنه من أحبائهم. وبالتوازي مع الأسئلة عمَّا إذا كان التعذيب مُبرَّراً، سُئِلَ المشاركون أيضاً ما إذا شعروا بأن التعذيب قد يكون فعَّالاً في استخلاص المعلومات التي هم في أمسِّ الحاجة إليها. 

وبناءً على النتائج، وَجَدَ الباحثون أن القرب الشخصي له تأثيرٌ قويٌّ على ما إذا كان الناس قد شعروا بأن التعذيب سيكون فعَّالاً، وما إذا كان يتعيَّن استخدامه على الإطلاق. كان المشاركون في البحث بالأساس أكثر ترجيحاً بكثير لتأييد استخدام التعذيب من أجل استخلاص المعلومات الضرورية إذا تعلَّق الأمر بإنقاذ أحد أحبائهم في مقابل إنقاذ حياة شخص آخر غريب عنهم في خطر. المشاركون في الظرف الآخر الشخصي كانوا هم أيضاً أكثر ترجيحاً بكثير للاعتقاد بأن التعذيب سيكون فعَّالاً لاستخلاص المعلومات من الشخص المُشتَبَه به قيد الاحتجاز إذا كانوا أقرب شخصياً للشخص الواقع في موضع الخطر. 

تماشت هذه النتائج مع دراسات بحثية سابقة أجرتها هوك وزملاؤها. فبينما كانت استطلاعات الرأي العام متسقة في تسجيل نسبة فقط من 30 إلى 40% من إجمالي الآراء لصالح تأييد استخدام العنف، فإن إدراك أن حياة أحد الأحباء المُقرَّبين على المحك أدَّى بهذه النسبة إلى الارتفاع إلى 80% من المشاركين في البحث لصالح تأييد استخدام التعذيب. الأمر لا يتوقَّف عند مجرد أن القرب الشخصي يجعل التعذيب أكثر قبولاً لدى الكثير من الناس، بل تطرح النتائج أيضاً أن مخاوف الناس قد تؤثِّر على الطريقة التي يرون بها فاعلية التعذيب. 

وكما تطرح هوك وكونواي، يبدو أن الأمل في عودةٍ آمنة لأحد الأحباء تجعل الناس يفضِّلون استخدام أساليب التعذيب التي قد لا يثقون بها لاستخلاص معلوماتٍ مهمة. ومع أن لهذه الدراسة حدوداً مهمة، بالأخص لأنها تضمَّنَت استعراض مواقف افتراضية أمام الأشخاص المشاركين بها، فهي تشير إلى أن الكثير من الناس على استعدادٍ إلى تنحية مخاوفهم الخاصة حول التعذيب في ظروفٍ معينة جانباً. 

إذاً، ماذا تعني هذه النتائج بالنسبة للأسئلة الشائكة المُتعلِّقة بالتعذيب؟ تلخِّص شانون هوك الأمر برمته بصورةٍ أفضل في تعليقٍ لها على بحثها، إذ قالت: “إنه جدالٌ دائم. من الناحية الفلسفية، يقول أغلب الناس إنهم معارضون للتعذيب. وأعتقد أن النقطة هنا تتعلَّق في الأغلب بسدِّ هذه الفجوة وتقديم صورةٍ أكمل عن طريقة تفكير الناس في التعذيب. وفي الحقيقة، ليس هناك ما يكفي من الأبحاث العلمية التي تتناول نفسية التصوُّرات حول التعذيب على الإطلاق”. 

ومع استمرار الحرب على الإرهاب وظهور بؤر ساخنة جديدة على الدوام، لن يختفي السؤال عن التعذيب في وقتٍ قريبٍ أبداً. قد يصبح إدراك الدافع وراء تأييد الناس للتعذيب حين يتعيَّن عليهم رفضه مهماً بصورةٍ متزايدة في السنوات المقبلة. 

– هذا الموضوع مترجم عن موقع Psychology Today الأمريكي. 

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *