أخبار متفرقة

متطفلة عليَّ وتمكث في سريرها طوال الوقت وتحكي لي عن حبيبها.. لماذا كرهت أمي؟

حين نحاول أن
نتخيل ما تعنيه النشأة في كنف أُمٍّ لا تحبك، أو لا تلبي احتياجاتك العاطفية؛ فعلى
الأرجح سنتخيل شخصيةً باردة، وغير مبالية، وربما قاسية. إذ جسَّدتها ثقافة البوب
في صورة زوجة الأب خلال فيلم Snow White وهي تسأل: «مَن أجمل امرأة على وجه
الأرض؟»، أو جوان كراوفورد وهي تصرخ: «لا مزيد من علَّاقات
الملابس»، في حين ترتعد ابنتها بالتبني كريستينا المذعورة. ولا شك في أن هذا
أحياناً هو ما يعنيه الاستخفاف العاطفي، لكن من المهم أن نتذكر أن هذه ليست صورته
الوحيدة.

ومن المفارقات
أن الاستخفاف لا يتطلب سوى الجهل؛ نظراً إلى كونه يتعلق بعدم الاهتمام بمن هو تحت
رعايتك، علاوةً على عدم إدراك ما يحتاجه هذا الشخص (أو الكائن). ونتيجةً لذلك، قد
يكون مقترناً بفورة من نشاط الأمومة، أو حتى التدخل المفرط، على نقيض ذلك النوع من
الإساءة العاطفية التي تتسم بعدم الاهتمام (مثل تجاهل الطفل أو نبذه) أو التركيز على الانتقاد
فحسب. ويتسم الاستخفاف أحياناً بالتدخل، والتلاعب، والتشاركية الشديدة. وأعلم أن
هذا يبدو أمراً غير متوقع، لكنها الحقيقة. إذ قد يتخذ الإهمال العاطفي صوراً أخرى
تنطوي دائماً على غيابٍ كامل للحدود، وصحيح أن هناك عوامل أخرى متغيرة، لكن غياب
الحدود هو العامل الثابت.

الحدود ضرورية
لجميع أشكال التواصل السليمة

إن إدراك معنى
الحدود أمر بالغ الأهمية؛ نظراً إلى وجود عرف ثقافي حديث نسبياً يتعلق بعلاقة الأم
بابنتها، وهذا من شأنه أن يُربِك الابنة التي لديها أُمٌّ ترافقها حرفياً مثل
ظلها، وتصوير ثنائي الأم والابنة على أنهما صديقتان مُقربتان إلى الأبد.

وإليكم ما
كتبتْه لي ابنةٌ، تبلغ من العمر الآن 40 عاماً، عن والدتها:

«أشعر
بالتضارب حول كيفية التعامل مع أمي، لأنها لا تدرك كم هي متطفلة بشكل رهيب. إنها
لا تنفك تقدم نصائح لم أطلبها حول كل شيء ترى أنني أفعله بطريقة خاطئة، وتوبّخني
وتصحح لي أمام أطفالي. لكن الأسوأ من ذلك هي عادتها بإفشاء أمورٍ خاصة باستمرار.
لقد انفصلت هي ووالدي منذ عام، ولا أعرف لماذا تظن أنني الشخص المناسب الذي يصلح
لاستشارته بخصوص كل لقاءاتها الغرامية. حقاً، ليس لدى أمي أدنى فكرة عني، فأنا
مجرد إسقاطٍ بالنسبة لها».

وفي اعتقادي
أن نموذج (الصديقتين المقربتين إلى الأبد) نموذجٌ خطير. إذ يُتيح للأمهات التنصل
من أدوارهن باعتبارهن منفصلات عن أطفالهن، والأهم من ذلك، هو أنهن يعتقدن أن
علاقتهن بأطفالهن علاقة شخصين مُتساويين. والخلاصة واضحة؛ مهما كنتما متقاربتين
بوصفكما أماً وابنة، فأنتما غير متساويتين أبداً. إنها حقيقة نفسية مهمة. وأنا لست
عالمة نفس أو طبيبة نفسية، لكن في نهاية المطاف يتعلق الأمر بالفطرة السليمة إلى
جانب علم النفس.

الطفل
باعتباره امتداداً للذات: نوع خاص من الاستخفاف العاطفي

تعتمد أنواع
الأمومة المختلفة على غياب الحدود السليمة، ولكلٍّ منها آثاره الضارة على نمو
الطفل.

والأمهات
اللواتي يتمتعن بخصال نرجسية زائدة، أو المتسلطات بحكم طبيعتهن، يرين في أطفالهن
امتداداً لهن وتطالبهم بالتصرف وفقاً للقواعد التي تُحددها. ونتيجةً لذلك يصبح
الأبناء كواكب تدور في فلك هذه الأم، ويتعلمون من صغرهم أن يُعرفوا أنفسهم وفقاً
لما تراه أمهاتهم، كما يظهر بوضوح في رواية بيكا خلال السطور التالية. إنها في
الـ35 من عمرها، وليست لديها قواسم مشتركة مع والدتها.

«تكونين
المفضَّلة أو غير المفضلة بناءً على مدى تلبيتك لتوقعاتها. لقد حرَّضت أختي الكبرى
عليَّ، وحرَّضتني على أخي الأصغر. لقد تنافسنا جميعاً للحصول على اهتمامها
ومديحها. لم يكن التمرد خياراً، إلا إن كنتِ على استعداد لتلقي التوبيخ والشجب،
والشعور بالخزي، وأن تُصبحي كبش فداء للجميع ببساطة. دخلتُ الجامعة ولا فكرة لديَّ
عمن أكون، أو ما أحبه، أو أعتقده. وطوال 18 سنة، كنت أتطلع إلى أمي لتُعرِفني. لقد
ظننت أن الحب صفقة، أو أنه شيءٌ لا تحصل عليه إلا بمقابل. وقد كنت محظوظةً بأنني
وصلت في النهاية إلى مكتب الاستشارات؛ لأنني لم أتمكن من تجاوز الأمر، وكانت
السنوات الـ10 التالية من حياتي متمحورة حول اكتشاف من أكون في غياب نظرات أمي.
تنقلت في أرجاء البلاد، وقابلت أمي وعائلتي الأصلية مرةً في السنة على أقصى تقدير،
ونتحدث بين الحين والآخر. ما تزال تراني كما رأتني دائماً، شخصاً تراه بشكلٍ جيد
أو سيئ من وجهة نظرها».

تنفصل بنات
الأمهات النرجسيات غالباً عن مشاعرهن وأفكارهن الشخصية، ويبدأن -بعد البلوغ-
بالانجذاب إلى أحبّاء وأصدقاء يعاملوهن كما عاملتهن أمهاتهن. إذ يواصلن رؤية الحب
باعتباره شيئاً «يُكسب» ضمن عملية من التبادل.

ولا تكون بنات
الأمهات المسيطرات أحسن حالاً، إذ يملن إلى عدم رؤية أنفسهن بشكل واضح، ويواجهن
مشكلات في تحمُّل مسؤولية مشاعرهن وآرائهن، لأنهن لا يتمتعن بقدرٍ كافٍ من الشعور
الحقيقي بالذات، ويُرجعن نجاحهن إلى الحظ أو الصدفة، وينسبن فشلهن إلى عيوبٍ في
شخصياتهن. وبسبب نقص تقدير الذات، ينجذبن إلى من يسيطر عليهن، إذ إن ملازمة الفضاء
العاطفي المعتاد، دون أي حدود، يُمددهن بشعور بالأمان.

أما الوالدة
المتفهمة المُحبة؛ فتُعلِّم طفلتها أنها كيانٌ منفصل، لكن بإمكانها الاعتماد على
والدتها في التفهم والدعم. وبذلك يشجع وجود حدود الطفلة على رؤية نفسها بشكلٍ
كامل؛ فليست ملزمةً بـ «التماهي» مثل طفلة الأم النرجسية أو المسيطرة،
بل تملك حرية استكشاف نفسها ببساطة.

انقلاب
الأدوار أو تقمُّص الدور الأمومي: حالة أخرى

في هذه
الحالة، لا يجري تجاوز الحدود العاطفية والنفسية فحسب؛ بل التقليدية أيضاً، بحيث
يُلقى على الطفلة عبء مسؤوليات أكبر منها بكثير، وينتهي بها الأمر أماً لأمها.
والمفارقة هنا أن هذه الأمهات قد يُحببن بناتهن بشدة، لكنهن لا يستطعن التقدم
وتحمُّل أعباء البالغين، ليُدمرن بذلك بناتهن بطرق شديدة التحديد. إذ تشعر البنات
بالمرارة والغضب بسبب «سرقة» طفولتهن، لكنهن يُصَبن عادةً بارتباكٍ
كبير، لأنهن يشعرن بإشفاقٍ كبيرة تجاه أمهاتهن. وكانت هذه هي حالة
«إيلي» التي تمتلك أخاً أصغر منها بعامين.

«انتهت طفولتي حين كنت في الـ11 تقريباً، في اليوم الذي تُوفي فيه
والدي خلال حادث سير. إذ شعرت أمي بانهيارٍ حرفي تقريباً. وكانت تشعر دائماً
بالارتباك بسهولة، لكنها كانت تلازم الفراش بعقلها نوعاً ما، وتكلفني بدور الشخص
الذي يتكفل بالرعاية. وكانت ترفض تلقّي المساعدة أيضاً. وكان أخي يبلغ من
العمر تسع سنوات، وتولى الاعتناء بنفسه، في حين توليت أنا الطبخ والنظافة. وحين
بدأت مواعدة الرجال، أصبحت كاهن الاعتراف الخاص بها. ليس من
المستغرب أن انتهى الأمر بأخي إلى الفساد والتورط في تعاطي المخدرات، وغادرت أنا
المنزل في الـ18 من عمري. والآن، بعد أن أصبحت أماً بنفسي، أستاء منها بدرجةٍ أكبر
لأكون صادقة. لقد أفشلتنا نحن الاثنين. أُحبها، لكنني أيضاً غاضبة، وما تزال تلجأ
إليَّ لإصلاح الأمور والاعتناء بها».

ضع في اعتبارك
أن تجربة إيلي واضحة للغاية؛ لأنها انطلقت بتأثير وفاة والدها، لكن انقلاب الأدوار
قد يحدث بطرقٍ أكثر خفاءً، وقد يلزم الابنة سنوات طويلة حتى تدرك أن سلوكها
الأمومي الذي تعتبره طبيعياً ليس بطبيعي ولا صحي. ويحدث انقلاب الأدوار غالباً في
العائلات الكبيرة التي تمتلك أطفالاً أكثر من أن تواكبهم الأم، ويجري عادةً
استغلال الابنة الكبيرة في القيام بدور الأم. وغالباً ما تُحجِم الفتيات المتقمصات لدور الأمومة عن العلاقات الحميمة
عند البلوغ؛ إذ تُواجهن مشاكل في التمييز بين المطالب المشروعة والسلوكيات الخانقة
والمتعدية. وأحياناً يلتأم الصدع بين الابنة المتقمصة لدور الأم ووالدتها من خلال
التفاهم المتبادل، خاصةً حين تدخل الأم هذا التفاهم مستعدةً للاعتراف بأوجه
قصورها.

التورط: قضية
في حد ذاته

المثال
التقليدي للأم المتورطة هي الأم التي تبحث عن الانتفاع من مهارات طفلتها، ومظهرها،
وفرصها. لكنكِ لا تحتاجين أن تكوني نجمةً مستقبليةً لتحصلي على أُمٍّ متصيدة. إذ
تعاني هاته الفتيات قدراً كبيراً من الارتباك العاطفي؛ لأنه على الرغم من حُب
أمهاتهن لهن، فإن طبيعة هذا الحب تُخفيهن من المشهد. فالرابط العاطفي قوي وخانق،
ولا يسمح بأي نوع من أنواع الاستقلالية، إذ تُخضِع الابنة رغباتها واحتياجاتها
لرغبات واحتياجات أمها بأشكال واعية وغير واعية. وتُصور فيفيان غورنيك في مذكراتها القوية والصريحة Fierce
Attachments الحرب
الدائرة بقلب الابنة، والتي تُعَدُّ حرباً حاسمة لا يفوز فيها سوى طرف واحد:

«… لا
تعرف أنني أتعامل مع توترها من منطلقٍ شخصي، وأشعر بأن اكتئابها يخنقني. وأنَّى لها أن تعرف هذا؟ إنها لا تعرف حتى
أنني هنا. وحين أخبرها بأن عدم معرفتها بوجودي يقتلني؛ تنظر إليَّ بعينيها
المتحيرتين والمزدحمتين بالعزلة، تلك الفتاة الصغيرة في الـ77 من عمرها، ثم تنطلق
في بكاء غاضب وتقول: إنكِ لا تفهمين. لم تفهمي قط».

وتشعر الابنة
المتورطة، بموجات متعاقبة من الذنب والغضب والإشفاق تجاه أمها. ففي بعض الأحيان،
يُصبحن قادرات على إنقاذ أجزاء من العلاقة من خلال تأكيد استقلاليتهن، ووضع حدود
صارمة، لكن ليس دائماً. فمع شعورٍ مشوَّه بالذات، لا تتمكن غالباً من رؤية طريقة
لإنقاذ نفسها دون التسبب في جرحٍ لأمها. والمشكلة هنا تكمن في التعامل مع قدرة
أمها على جعلها تختفي.

متى يصبح
القرب مزعجاً؟

كل طرف من
ثنائي الأم-الابنة يجب أن يمتلك مساحةً وأفكاراً وعواطف خاصة به. وليحدث ذلك، يجب
أن توجد أولاً حدود تحترمها كل امرأة منهما. وقد يبدو ذلك بسيطاً، لكن نظراً إلى
تعقيد هذه العلاقة؛ لا يكون ممكناً طوال الوقت.

– هذا الموضوع
مترجم عن مجلة
Psychology Today الأمريكية.

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *