أخبار متفرقة

«متلازمة أبوتريكة».. لأن الحب لا يُحارب والأحزان بلا جدوى

جلست
إلى مكتبي، أحضرت ورقاً وقلماً، أعتقد أنني صرت الآن مستعداً. خلال الأسبوعين
الماضيين قابلت مصادري الخاصة، وقرأت مرجعين بأكملهما عن الموضوع. أعتقد أنني
اطلعت على أغلب ما كُتب في هذا السياق. حددت بشكل واضح مساهمته وأثره، إذن لا شيء
يستدعي التأجيل.

شرعت
في الكتابة وأخذت أكتب بنهم شديد كأنها المرة الأولى التي أكتب فيها، لم يوقفني عن
نثر الكلمات سوى نفاد كأس نبيذي الأول فقمت أصب غيره. لا أتذكر كم مكثت من الوقت
لكنني جاوزت الثلاث ساعات على تلك الحال ولقد أفرغت خلالها زجاجتي نبيذ بأكملهما.
حوَّلت بصري تجاه الورق، صُدمت ولم أحرك ساكناً، نظرت إلى السقف، وكأنني أتوسل إلى
السماء متضرعاً: لا ليس الآن، من المستحيل أن أكون قد كتبت ذلك مرة أخرى. 

لقد توقفت عن تذكره منذ أمد بعيد، لقد مرّت ست سنوات على المرة الأخيرة التي رأيته فيها. ست سنوات وأنا أتأرجح كما البندول بين الذكرى والنسيان، بين الوعي والتناسي، بين لمعة حزينة في عيني تتلوها أخرى باسمة. أواجه نفسي بحقيقة أنني لم أنسَه كي أتذكره. ولسان حالي يلهث بقول أم كلثوم: «فكروني إزاي هو أنا نسيتك». 

لم أنسَ حبيبي ولو ليلة واحدة، هو في قلبي وخاطري دوماً، مع كل لمسة وهمسة وغمزة في البساتين الخضراء أرى موضعه في قلبي ووجداني. لا أنفك أنسى إحدى ليالينا الملاح حتى يذكرني عقلي بغيرها. كان الكل في الكل، كان جميعهم ولو كان وحده. عندما تلاقت أعيننا للمرة الأولى، أتذكر أن الفناء قد ابتسم داخلي، وأن الخلود قد لاح أمامي حقيقة غير منكرة أو مستهجنة. المشكلة أنه لم يكن حبيبي وحدي، كان ملكاً للجميع، وكان يحب الجميع، حتى إنك تعتقد أن الله لم يضع في قلبه مثقال ذرة من كُره أو شر.
أوقفت نفسي عن الثرثرة بذكراه، قررت أن أطوف شوارع مصر شارعاً شارعاً، أسألهم فيما أحبوه، وسأخرج بعدها إلى إفريقيا باحثاً عن ساحر إفريقي قادر على فك طلاسم «العمل» الذي سحرني وحرمني من حب غيره.
أعود بنظري إلى مكتبي مرة أخرى، أمسك بالورق الذي كتبته ووضعته فوق أقرانه، فهذه لم تكن المرة الأولى، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة، أحضرت ورقة بيضاء خالية، تشبه قلبي منذ قرر المغادرة، ثم كتبت عليها: «فلتبقَ يا أبوتريكة روحاً أبدية الأبد». 

يستمع
البشر الأسوياء إلى أغاني الشوق والفراق فيتذكرون أحبابهم الذين رحلوا عنهم
وتركوهم في منتصف الطريق يكملون الرحلة وحدهم، يبكون الحبيب وذكراه، أما أنا كمريض
بـ «متلازمة أبوتريكة» أستمع إلى أم كلثوم وهي تشكو الهجران فأتذكر
أبوتريكة وهو يودعنا في مباراته الأخيرة بعد أن أوفى الوعود وجلب الكأس إلى
القاهرة. يتغنى عمرو دياب بالشوق ولوعته فلا أرى سوى أبوتريكة يغتال مدينة صفاقس
بأسرها. 

عرض آخر لهذه المتلازمة هو أنني أفكر في عمل تجمع سنويّ على شاكلة بكائيات كربلاء،
سنجمع كل محبي أبوتريكة في استاد القاهرة، وسنوزع شاشات عرض ضخمة في كل أرجاء
الاستاد وسنعرض عليها أجمل لمسات الماجيكو ونبدأ في اللطم والنحيب. متلازمة
أبوتريكة هي حالة من الحنين والاشتياق لما لا يغيب عن الخاطر والبال، مكسوة بلوعة
متأججة ومسحة حزن خفيفة.  

يقول محمد هشام محرم عن هذه الحالة: «والحُب لا يُحارب لأن لا هزيمة له، يُمكنك أن تظن أنك له قاتل لكن في الواقع لن تُصبح أكثر من مخبول ذهب الغرور بعقله، ستبقى كــ «دون كيخوتي» تُحارب طواحين الهواء مُعتقداً أنك تُحقق نصراً عظيماً وما انتصاراتك إلا أوهام من صُنع عقلك البالي. أبوتريكة كاتب لا تُحرق كُتبه ولا تُقتلع أشجار قيمه، خصم لا يجب أن يُحارب؛ لأنه خصم لا يُهزم».

Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *