مرآة العالم

محمد رخا.. رائد الكاريكاتير المصري

في السابع من ديسمبر سنة 1911، وُلِد رسام الكاريكاتير المصري محمد رخا، في قرية سنديون بمحافظة القليوبية. ذاق طعم اليتم مبكرا، فقد رحل والده قبل أن يكمل السنتين.

انتقلت أسرته إلى القاهرة حيث التحق بمدرسة باب الشعرية الابتدائية. مع تفتّح موهبته وظهور عشقه للرسم، أراد الالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة، لكن الأسرة رفضت فاضطر إلى الالتحاق بالمدرسة الخديوية الثانوية، فرسب فيها ثلاث سنوات.

كل ما كان بوسع ذلك الطفل الصغير أن يقلد الرسمات التي يلتهمها من صفحات المجلات، مثل مجلة “اللطائف المصورة”. كان ذلك سبيله الوحيد لإشباع نهمه للرسم، حتى حدثت الصدفة التي غيرت مسار حياته ليصبح رائد فن الكاريكاتير في مصر.

كان التلميذ رخا قد بدّل مكانه مع زميل له في الفصل. لسبب ما قرر زميله فتح درج طاولة رخا فوجد عددا من رسماته. ظل الزميل يطالعها حتى انتبه إليه مدرس الرياضيات، فأخذ منه الرسمات. تصور الزميل أنه على وشك تلقي العقاب، فسارع إلى الاعتراف بأنها رسوم رخا، وليست رسومه. فطن المدرس النبيه إلى موهبة رخا، واقترح عليه الالتحاق بالقسم الحر في مدرسة ليوناردو دافنشي الإيطالية للرسم.

كان محظوظا بفطنة مدرسه وإخلاصه.

يحكي رخا أنه بعد سنتين من الدراسة المتخصصة تمكّن من فن الرسم، وبدأ يحترفه ويكسب قوته منه. اتخذ قراره الحاسم: سيهب حياته للرسم.

بدأ يرسم في مجلات الأطفال، مثل مجلة “الأولاد”، حتى دفعه القدر دفعته الثانية على طريق المجد. في سنة 1927، قرأ رخا إعلانا عن صدور مجلة جديدة اسمها “الفنان”، فراسل صاحب المجلة متمنيا الانضمام لفريق العمل. كان ذلك الرجل هو الشيخ يونس القاضي، الذي لُقِّب بالشيخ باعتباره شيخ المؤلفين المصريين، وكان مؤلفا مسرحيا وصحفيا وشاعرا غنائيا، ذا باع طويل في مقاومة الاستعمار، لكن ذلك يستحق وقفة أخرى، خارج سياق هذه المادة.

تحمس القاضي لموهبة رخا، ويبدو من انحيازاته السياسية أنه كان ذا توجه وطني صريح، دفع ثمنه اعتقالا واضطهادا من المحتل البريطاني، فلعل حماسه لرخا يعود إلى رغبته في تكريس رسام مصري شاب، حيث كان الرسامون الأجانب يسيطرون على الساحة الفنية وقتها، مثل صاروخان الأرمني، رفقي التركي وخوان سانتيس الإسباني. وبالإضافة إلى صفاء موهبة رخا واجتهاده في تطويرها، بدا واضحا أنه ينزع النزعة الوطنية التحررية ذاتها، كما سيؤكد تاريخه الفني ذلك لاحقا، بل لعل نزوع رخا هذا مرتبط بعض الارتباط بعلاقته بأستاذه يونس القاضي، الذي اعتُبر صانع النجوم يومئذ.

ومع أن المجلة لم تصمد إلا لثلاثة أعداد، فقد كانت فاتحة خير للرسام الشاب الذي قدّمه القاضي إلى كثير من ناشري المجلات والصحف، وكانت موهبة رخا ساطعة، يُضاف إليها مصريته واهتمامه بمعالجة هموم المواطن المصري البسيط؛ وهو الاهتمام الذي سيقوده إلى اجترار مرارة السجن أربع سنوات كاملة، كما سنرى.

بعد هذه التجربة كان رخا قد تعرف على ناشري مجلات: الستار، الناقد، روز اليوسف، البلاغ، الصباح، أبو الهول، المسرح، المستقبل. وكان يرسم في مجلاتهم بغزارة. ربما كان الأهم من بين هؤلاء الناشرين مصطفى أمين وعلي أمين.

يروي مصطفى ذكريات لقائه الأول برخا:

“كان يوقفني في ذلك الوقت بعض رسوم وضحكات لرسام الكاريكاتير رخا ولم أكن أعرف هل هو مصري أم أجنبي. فقد كان أغلب رسامي الكاريكاتير في ذلك الوقت في مصر من الأجانب.

ذهبت إلى هناك وتصورت أنني سأرى رجلا كبيرا في السن، وإذا بي أفاجأ بولد في مثل سني أو يكبرني بخمس سنوات. وقد تبينت أنه ابن بلد… فأعطيته أفكارا لعدة صور كاريكاتيرية ليرسمها وطلب تسعين قرشا ثمنا لها وطلب مني أن أعود في اليوم التالي لأستلم الصور، فعدت واستلمتها. وبعد ساعتين ذهب أخي علي أمين إلى رخا يطلب الصور. ودهش رخا وقال له: ماذا جرى لك إنني أعطيتك الصور من ساعتين، وقال علي إنه لم يستلم الصور. وكادت تحدث مشادة إلى أن اكتشف رخا أن علي أمين هو أخي التوأم، وكنا في تلك الأيام نشبه بعضنا شبها عجيبا. وبدأنا منذ ذلك اليوم صداقة حلوة دامت العمر كله”.

ومثل أي فنان موهوب، كانت لرخا طرائف استثنائية، تدل على سذاجته أحيانا، مثلما تدل على ضخامة طموحه وسوء حظه.

من تلك الطرائف أنه قرر فجأة تأسيس مجلة. أراد أن يكون ناشرا، ولم لا؟ لذلك قرر تسمية مجلته “اشمعنى”، وسبب التسمية أنه اشمعنى يملك فلان الفلاني جريدة؟ كان رخا مدركا لموهبته، مقتنعا أنه يستحق أن ينفرد بنشر إنتاجه في مجلة، لحسابه الخاص. باع الفدانين اللذين يملكهما، وبعد صعوبات ومصادرات من الشرطة، نجح أخيرا في رسم وإعداد أول عدد من مجلته، لكنه وقع في براثن نصاب كبير هو علي الفهلوي، وفق حكاية رخا نفسه. 

كان يلقب بملك الصحافة لأنه كان يتحكم في توزيع الصحف في مصر، وهو جالس في مقهاه الصغير. نصحه الفهلوي بطباعة 6000 نسخة بسبب افتتاح البرلمان، فطبعها وسلمها له. في اليوم التالي اتصل به رخا ليطمئن على التوزيع، فأخبره الفهلوي أن العدد الأول نفد بعد ربع ساعة فقط، لأنه كان يوم افتتاح البرلمان، والناس مقبلة على الصحف لمتابعة مجريات السياسة المتلاحقة. طبع رخا العدد الثاني، على حسابه أيضا، في 8000 نسخة، كما نصحه الفهلوي، وسلمها له، بعد أن طمأنه الأخير أنه سيحاسبه حين يستلم منه العدد الثالث، الذي اقترح أن يحتوي على 10000 نسخة.

وحين ذهب رخا لمقهاه لتسليم العدد الثالث واستلام مستحقاته عن العدد الأول، وجد الفهلوي محاطا بمقاطف ممتلئة بالعملات الفضية، فأخذ يحلم ويتساءل في سره كيف سيحمل هذه الأموال الطائلة، التي اعتقد أنها لا بد أن تكون مستحقاته، ثم اكتشف الخديعة الكبرى حين أخبره الفهلوي بأنه لم يبع نسخا بأكثر من جنيه، بسبب انشغال الناس بالبرلمان؛ مما اقتضى تأخير نشر العدد الأول، ناسيا أنه هو من نصح رخا بالنشر في ذلك التوقيت بالتحديد.

ودفع له جنيها واحدا، كان حصيلة بيع رخا كل ما كان يملكه!

أما الموقف الآخر من عجائب رخا فهو مأساة بكل المقاييس.

كان منحازا للبسطاء من أبناء الشعب، فرسم كاريكاتيرا في جريدة “المشهور” عن أزمة سياسية نتجت عن إضراب عمال مصريين في أحد المصانع التي يملكها مدير أجنبي، مصورا انحياز الحكومة المصرية للمدير الأجنبي ضد العمال المصريين، وهو ما أغضب صدقي باشا رئيس الوزراء.

في العدد التالي رسم رخا كاريكاتيرا ينتقد الحكومة المصرية أيضا، لكنه فوجئ باستدعائه للنيابة وسؤاله عن جملة مكتوبة في الكاريكاتير بخط صغير لا يكاد يُقْرأ إلا بعدسة مكبرة، وكانت الجملة تتضمن سبا قبيحا للملك فؤاد، ولم يكن رخا قد كتبها. أتضح أنها مكيدة مدبرة من رئيس الوزراء.

حكم عليه بالسجن أربع سنوات قضاها كاملة في السجن.

من شخصياته الشهيرة: ابن البلد، رفيعة هانم، بنت البلد، ميمى بيه، قرفان بيه، غنى حرب، قصبى أفندى، سكران باشا طينة.

في مدرسته الفنية تخرج مشاهير الكاريكاتير من الجيل التالي: زهدي، صلاح جاهين، جورج البهجوري، وغيرهم.

وقد رحل في 18 أبريل 1989م، عن 78 عاما.

 

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة