مرآة العالم

من التحرش للفساد.. لماذا تعمّق جائزة نوبل فضائحها؟

في خريف عام 2017 نشرت النيويورك تايمز تقريرا يوثق الانتهاكات البذيئة التي دأب المنتج الهوليودي الشهير واينستين على ارتكابها بحق كثيرات من نجمات هوليود، اللاتي اضطررن لتحمّل اعتداءاته خوفا على مستقبلهنّ الفني.

 

مع تصاعد الغضب، وفي منتصف أكتوبر، أقدمت الممثلة أليسا ميلانو على كتابة تويتة بدت لها عادية، دعت فيها النساء اللاتي تعرضن لانتهاكات جنسية إلى كتابة تجاربهنّ، مرفقة بهاشتاغ: “أنا أيضا”، تعليقا على تغريدتها.

جاءت النتيجة مذهلة: أعلن تويتر أن 1.7 مليون تويتة ضمّت الهاشتاغ، من 85 بلدا على الأقل، كما أعلن الفيسبوك نشر 12 مليون منشور يتضمن الهاشتاغ بعد 24 ساعة من صدوره. وبدأت الدوائر تدور على الرجال الذين ظنوا أنهم أقوياء بما يكفي لينتهكوا المرأة التي تحلو لهم.

انفجرت الفضائح والدعاوى القضائية ممرّغةً نجوما كثيرين في وحل الفضائح.

 

لكنّ أحدا لم يتوقع وقتها أن تهز الفضيحة أركان جائزة نوبل حين ضربت الأكاديمية الملكية السويدية، الجهة التي تختار الفائزين بجائزة نوبل للآداب، وتضم نخبة من المثقفين اللامعين.

 


اقرا أيضا
: كيف يفوز “منكر للإبادة” بالبوسنة بجائزة نوبل للآداب؟

ففي نوفمبر 2017، نشرت صحيفة “نيهيتر” السويدية تقريرا ناريا، تضمّن شهادة 18 امرأة تعرضن لاعتداء جنسي من المصور والمثقف الفرنسي – السويدي جان كلود أرنو، زوج الشاعرة السويدية كاتارينا فروستنسن، عضوة الأكاديمية الملكية السويدية.

 

الأسوأ من ذلك أن الضحايا ذكرن أن الاعتداء عليهن وقع في مبانٍ تقع تحت سلطة الأكاديمية، التي عرفت بأمر الاتهامات الموجهة لأرنو، واختارت تجاهلها.

ظهرت للفضيحة الكبرى شقيقة أخرى. إنه منتدى “فوروم” الذي يديره أرنو وتدعمه الأكاديمية الملكية ماليا، في تعارض مصالح واضح، حيث تضمنت سلطة كاتارينا في الأكاديمية منح الدعم المادي للمنتدى الذي أداره زوجها.

 

كلّفت الأكاديميةُ شركةً قانونية متخصصة بالتحقيق في اتهامات أرنو وكذلك في قضية المنتدى الذي كان يحضره مثقفون وفنانون، وكان ينظم معارض فنية وقراءات، بحضور بعض الحائزين على جائزة نوبل. سرعان ما أُغلِق المنتدى.

كان يتردد في الأوساط الثقافية الأوروبية أن أرنو يباهي بأنه العضو التاسع عشر “السريّ” للأكاديمية الملكية (عدد أعضائها 18)، في إشارة لنفوذه القوي على سائر الأعضاء. أيضا اتّهم بتسريب اسم الفائز بنوبل لبعض أصدقائه.

يبدو ذلك صحيحا على ضوء الاجتماع العاصف الذي عُقِد أوائل أبريل 2018، لتحديد موقف الأكاديمية من الشاعرة كاتارينا، وكانت المفاجأة أن تُجَدّد الثقة بها. هنا بدأ المسار العاصف الذي اتخذته الأكاديمية، لأنّ أغلبية الثلثين لم تتفق على تنحية كاتارينا.

سيظل هذا السؤال ملحّا: ألم يكن من السهل تخفيف أثر الفضيحة إلى الحد الأدنى لو أن كاتارينا اعتذرت واستقالت فورا؟ أو لو أن الأعضاء أجمعوا على تنحيتها؟ ألم يكن ذلك واضحا حدّ البداهة؟
استقال ثلاثة أعضاء بعد الاجتماع.

 

بعد أيام استقالت سارة دانيوس، الأمين العام للجائزة، سعيا لإجبار كاتارينا على الاستقالة، التي أعلنت استقالتها بعد دانيوس مباشرة كما نقلت الصحف.

 

اقرأ أيضا :  تضامن مع كاتبة بعد تجريدها من جائزة لدعمها مقاطعة إسرائيل

 

لكنّ الغريب حقا أنها لم تفعّل هذه الاستقالة، لأن قانون الأكاديمية ينص على أن عضويتها تنتهي بموت العضو فقط، وليس الاستقالة، لذلك يضطر المنسحبون إلى إيقاف نشاطهم دون أن يتمكنوا من تقديم استقالة. وهو ما أعلن ملك السويد مؤخرا عن تعديله حتى يتمكن الراغبون في الاستقالة من ذلك.

ذكرت صحف أجنبية أن اتفاقا غير رسمي يقضي باستقالة دانيوس وكاتارينا أقره الجميع، غير أن كاتارينا لم تستسلم للاستقالة إلا بعد تدهور الأمور على نحو عبثي، حيث استقال أعضاء آخرون حتى بلغ العدد سبعة مستقيلين.

في مايو التالي، أعلنت الأكاديمية أنها تحت وطأة الاستقالات المتتالية وضعف ثقة الجمهور بها، لن تعلن فائزا بنوبل للآداب في تشرين اول /أكتوبر 2018، على أن تعلن فائزيْن اثنيْن في 2019.

 

هذه هي السنة الأولى التي تعجز الأكاديمية عن منح جائزة الآداب منذ أكثر من سبعين عاما حين أعلنت وقتها أنها لم تجد من يستحق الجائزة.

حسنا فعلت الأكاديمية، ففي أوائل أكتوبر 2018 حكمت المحكمة في السويد بسجن أرنو سنتين بتهمة الاغتصاب.

كان الرجل محظوظا لأن زمنا طويلا مضى على وقائع اتهاماته، فاختفت أدلتها إلا في واقعة واحدة استطاعت ضحيته إثبات جرمه.

 

تتضمن الواقعة جريمتي اغتصاب، الأولى في تشرين أول/ أكتوبر 2011 والثانية في كانون أول/ ديسمبر من العام نفسه.

 

أدانته المحكمة في واقعة أكتوبر وقررت أن أدلة الواقعة الثانية لا تكفي لإدانته. وكانت الواقعتان في الشقة المملوكة للأكاديمية الملكية بالحي اللاتيني بباريس. حُكم على أرنو بالسجن سنتين مع تعويض الضحية بمبلغ 115,000 كورونا.

لكنّ أرنو، الذي دأب على النفي القاطع لجميع اتهامات ضحاياه جملة وتفصيلا، لم يستسلم، فقدم محاميه استئنافا بينما يصرح للصحف: “لن نذعن”، كأنه يخوض معركة تحرير! 

في أوائل كانون أول/ ديسمبر حكمت محكمة الاستئناف بإضافة ستة أشهر أخرى إلى السنتين السابقتين، وزيادة التعويض إلى 215,000 كورونا، لأنها رأت أن الأدلة المتوفرة أصبحت تكفي لإدانته في واقعة ديسمبر الثانية أيضا.

في يناير أُعلنت استقالة كاتارينا أخيرا، وبحسب الصحف الأجنبية، لم يكن الأمر سهلا، فقد خاضت كاتارينا مفاوضات مع الأكاديمية حتى توافق على التنحي؛ مثلا تم الاتفاق على أن تحصل على دخل شهري يبلغ 12,875 كورونا (1250 يورو)، وأن تظل مقيمة في شقة الأكاديمية.

مع ذلك كله، ظل أرنو يقاوم، حتى خسر جولته الأخيرة في مايو 2019، حيث رفضت المحكمة العليا في السويد استئنافا آخر قدّمه لإسقاط الحكم عليه، وهو ما يبدو حكما نهائيا سيبتلعه السيد أرنو آسفا، بعد تصريح محاميه للصحافة بإصراره على براءته، مع وصم اتهامات ضحاياه بأنها “witch-hunt”، أي: مطاردة ساحرات!

الحقّ أن أداء أرنو وكاتارينا مذهل للغاية. بعد هذه الفضائح كلها، كان ممكنا أن يعتذرا، وأن تستقيل كاتارينا فورا، كل شيء كان ضدهما: تاريخ أرنو، وانطلاقة حملة “أنا أيضا” الكاسحة، والصحافة العالمية… فلماذا هذا الإصرار الغريب على المضي بالفضيحة إلى مداها الأقصى؟

لعل هذا الدويّ العنيف للفضيحة كان سببا قويا لإعلان فوز البولندية توكارتشوك بالجائزة في 2019، وهي الروائية الثائرة المدافعة عن المرأة، المعارضة لحكومة بلدها اليمينية، النباتية، المدافعة عن الحيوانات.

لكن تبقى السيئة الوحيدة لفوز توكارتشوك هي تزامنها مع فوز هندكه، الروائي المنحاز صراحة لميلوسوفيتش، أحد أشهر سفّاحي أوروبا، فقد زاره في سجنه، وشارك في تأبينه أمام الآلاف من أنصاره، رغم إدانته رسميا بارتكاب جرائم تطهير عرقي يندى لها الجبين.
لماذا تفعل جائزة نوبل ذلك بنفسها؟ لا أدري.

Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة