أخبار متفرقة

نيويورك تايمز: المظاهرات في مصر مفاجأة، ومحمد علي قد يصبح بطلاً شعبياً

سلطت The New York Times الأمريكية الضوء على التظاهرات التي حدثت مساء الجمعة 20
سبتمبر/أيلول الجاري، في العاصمة المصرية القاهرة وبعض المحافظات الأخرى، معتبرة
أن الأمر كان بمثابة صدمة، بسبب حملة القمع التي تمارسها الشرطة المصرية.

وقالت الصحيفة الأمريكية إنه في عهد حكومة الرئيس المصري عبدالفتاح
السيسي، لا يُسمح إلَّا بقدرٍ ضئيل للغاية من المعارضة -وهذا القدر الضئيل يُكلِّف
تكلفةً باهظة- لدرجة أنَّه حين تظاهر بضع مئات من المواطنين في جميع أنحاء البلاد
مساء الجمعة الماضي 20 سبتمبر/أيلول، مطالبين برحيل السيسي، كان ذلك بمثابة
صدمة.  

محمد علي كاشف الفساد

وقد كان مُفجِّر هذه المظاهرات شخصيةً غير متوقعة تقريباً: محمد علي،
وهو مقاول إنشاءات يبلغ من العمر 45 عاماً وممثلٌ غير متفرغ يقول إنَّه كُلِّف
مشروعات بناء باهظة التكلفة للجيش المصري، ثم غادر إلى إسبانيا ليعيش في المنفى
الذي فرضه على نفسه، حيث بدأ نشر مقاطع فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي يتهم
فيها السيسي بالفساد والنفاق.

وفي الأسابيع الثلاثة التي مرت منذ ظهور مقطع الفيديو الأول، أصبح
علي كاشفاً للفساد، ومعارضاً للسيسي وقائداً للاحتجاجات، وقد حوَّلته قصصه عن
الفساد الموجود في رأس السلطة إلى صوتٍ مُعارض بارز للسيسي. وحين اندلعت
المظاهرات، كان ذلك في الوقت والتاريخ اللذين حثَّ عليهما علي من إسبانيا.

لكنَّ مدى تأثير علي الذي ظهر فجأة واستمراريته -وقدرته على تحفيز
مزيد من المظاهرات- كلها عوامل لم تتضح بعد. وقد أثار ظهوره المفاجئ تساؤلاتٍ في
مصر حول ما إذا كانت شهرته المفاجئة قد جاءت بمساعدة بعض الجماعات القوية ذات
المصالح في البلاد، داخل الحكومة أو خارجها، أو ما إذا كانت هذه الجماعات تستغل
ظهوره.

إذ قالت إيمي هوثورن، نائبة مدير قسم الأبحاث في منظمة Project
on Middle East Democracy: «هذا أمرٌ غريب من هذا الشخص؟ ومَن وراءه؟ وما الذي دفعه
إلى الخروج بهذه المزاعم الآن؟ من الواضح أنَّ لديه علاقاتٍ قوية، لكن من هم هؤلاء
الأشخاص المرتبطون به؟». 

ويرى بعض المحتجين أنَّ علي ليس مُلهماً بقدر ما هو فرصة للتنفيس عن
إحباطاتهم.

«مصر تستحق الأفضل»

إذ قال علي محمد (19 عاماً)، وهو أحد سكان حي بولاق في القاهرة كان
يبث بعض مظاهرات ميدان التحرير بثاً مباشراً: «أشارك في المظاهرات لأنَّ
الطريقة التي يحكم بها السيسي خاطئة ومخزية. فمصر تستحق أفضل من بيع أراضيها أو
سجن شعبها».

وأضاف: «كان الناس ينتظرون فرصةً للاحتجاج بفارغ الصبر، ومقاطع
الفيديو التي نشرها محمد علي ليست السبب الحقيقي وراء المظاهرات، بل السبب هو أنَّ
الناس أرادوا التحرك».

هذا وشهد مساء يوم السبت الماضي تعرُّض نحو 200 متظاهر في مدينة
السويس لرصاص مطاطي أطلقته قوات الشرطة، وفقاً لمنشورات على شبكات التواصل
الاجتماعي وأحد شهود العيان.  

لكنَّ القاهرة لم تشهد أي علامات على مزيد من الاحتجاجات، إذ ملأت
قوات الشرطة ميدان التحرير بصورةٍ استباقية يوم السبت، وهو الميدان الذي شهد
مظاهراتٍ جماهيرية في الربيع العربي قبل ثمانية أعوام، أطاحت الرئيس السابق حسني
مبارك وأثارت آمال التغيير الديمقراطي.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ مدى عمق تأثير محمد علي يمكن أن يُختبَر في
الأسبوع الجاري. ففي مقطع فيديو نُشر مساء يوم السبت، دعا محمد علي إلى تنظيم جولة
جديدة من الاحتجاجات ضد السيسي يوم الجمعة المقبل.

وقال في المقطع: «يجب أن نتوقف عن تأليه الرؤساء»، وحث
الجيش على طرد السيسي من السلطة.

وصحيحٌ أنَّ الشرطة لم تقتل أي متظاهرين يوم الجمعة، لكنَّها لم
تتردد في استخدام القوة المميتة في احتجاجاتٍ سابقة، ومن المرجح أن يأمر السيسي
بشنِّ حملة قمع سريعة شاملة إذا استمرت الاحتجاجات.

فمنذ وصوله إلى السلطة في انقلابٍ عسكري عام 2013، عزز السيسي قبضته
عليها بقمعٍ وحشي أسكت النقاد وقلَّص حرية التعبير.

هذا وقال المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أمس الأحد 22
سبتمبر/أيلول، إنَّ ما لا يقل عن 274 شخصاً قد اعتُقِلوا في الاحتجاجات، وإنَّ بعض
المتظاهرين أبلغوا عن تعرضهم للضرب والغاز المسيل للدموع.

كسر حاجز الخوف

ونظراً إلى خطورة العواقب المحتملة للاحتجاجات، أعرب بعض المراقبين
عن دهشتهم من أنَّ المتظاهرين تجرأوا على النزول، ويبدو أنَّ دوافعهم أكثر بقليل
من مجرّد رجلٍ يظهر أمام الكاميرا من مكانٍ آمن في إسبانيا ويشن حملةً ضد
السيسي. 

لكنَّ مشاهدة مقاطع الفيديو التي ينشرها محمد علي عبر فيسبوك تحت اسم
«أسرار محمد علي»، أصبحت شيئاً أساسياً بين الشباب المصريين الذين
يتقنون التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي، والذين أصبحوا ينتظرون كل يوم أو
يومين لمشاهدته وهو يتحدث أمام الكاميرا ويُدخِّن بينما يهين السيسي بسعادةٍ،
واصفاً إيَّاه بأنَّه «قزم» و «عار». وقد بلغ عدد المقاطع حتى
الآن نحو 35 مقطعاً على الأقل.  

ويتحدث محمد علي في مقاطعه بلهجةٍ عربية عامية دارجة بين أبناء
الطبقة العاملة، ويوضِّح هيمنة الجيش المتزايدة على الاقتصاد المصري. ويشكو من أن
الحكومة مدينة له بملايين الدولارات مقابل أعمال إنشاءات نفَّذها لها. ويتهم
السيسي بإهدار المال العام في مشروعاتٍ تافهة تهدف إلى التفاخر الزائف مثل القصور
الرئاسية التي تُقدّر بملايين الدولارات.

وقال في أحد المقاطع: «النظام جعلنا كلنا فاسدين. لذا سنُغيِّر
هذا النظام ونقيم نظاماً شريفاً».  

وقد لاقت الفضائح التي يكشفها محمد علي صدًى لدى كثير من المصريين،
الذين شاهدوا السيسي يُقيم مشروعات بناء ضخمة في الوقت الذي تنهار فيه أوضاعهم
المالية. يُذكَر أنَّ الحكومة المصرية ذكرت في يوليو/تموز الماضي، أنَّ نسبة
الفقراء في مصر بلغت نحو 33%.

فيسبوك يحذف فيديوهات محمد علي

وصحيحٌ أنَّ إدارة فيسبوك كثيراً ما تحذف مقاطع محمد علي في ظروف غير
واضحة، لكنَّها تحصد ملايين المشاهدات قبل الحذف. وقد قال بعض المصريين على تويتر
مازحين، إنَّ حلقاته أفضل من أعمال نتفليكس.

ثم دعا محمد عليّ مشاهديه في الأسبوع الماضي، إلى النزول للشوارع
مساء يوم الجمعة الماضي، بعد مباراة فريقي الأهلي والزمالك. ويبدو أنَّ هذه الدعوة
دفعت مئات المصريين -وكثير منهم شبابٌ من الطبقة العاملة- إلى المشاركة في
المظاهرات التي انتشرت في جميع أنحاء البلاد، وضمن ذلك ميدان التحرير وحي جزيرة
الوراق الفقير في القاهرة، وكذلك الإسكندرية والسويس والمحلة الكبرى.

ولكن بغض النظر عن حقيقة أنَّ الاحتجاجات اندلعت حين دعا إليها محمد
علي، لا توجد معلومات متاحة عن الدور الذي يضطلع به بالضبط، بل مجرد نظريات
وافتراضات. إذ يتكهَّن بعض المراقبين بأن محمد علي ربما يكون دمية خاضعة، ولو
جزئياً على الأقل، لسيطرة كيانٍ آخر وربما أشخاص في حكومة السيسي يسعون إلى تقويض
الرئيس المصري، الذي يوجد حالياً خارج البلاد لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة
المقرر انعقادها في الأسبوع الجاري، أو حتى إطاحته. 

وفي هذا الصدد، قال خالد داود، الصحفي المخضرم والمتحدث باسم أحد
أحزاب المعارضة في مصر: «الأمر برمته مريب بعض الشيء. فهو لم يُقدِّم نفسه
على أنَّه سياسي. إنه أشبه بكاشفٍ عن الفساد، وفجأة قرر أن يتحول إلى قائد
ثوري».

في حين تساءل آخرون عمَّا إذا كانت الاحتجاجات عفوية بالفعل، أم
أنَّها جاءت بتنظيم من جماعاتٍ مُعارِضة مثل جماعة الإخوان المسلمين، التي يسعى
السيسي إلى خنقها منذ توليه السلطة في انقلاب أطاح سلفه الرئيس محمد مرسي.

المعارضة تراقب

وقال داود إنَّ المعارضة، التي فقدت كثيراً من قياداتها بسبب
تعرُّضهم للسجن أو الرحيل عن البلاد والبقاء خارجها، تنتظر لترى كيفية تطوُّر
الاحتجاجات، وتحديد هوية المشاركين في التظاهرات بالضبط، قبل إعلان مشاركتها فيها.

وعلى الجانب الآخر، يقول أولئك الذين يدعمون السيسي إنَّ جماعة
الإخوان من المرجَّح أنَّها نظمت الاحتجاجات سراً. وعلى الرغم من صعوبة قياس الرأي
العام بدقة في مصر، فإنَّهم يقولون إن كثيراً من المصريين يؤيدون إصلاحات السيسي
الاقتصادية والاستقرار الذي حققه، في وقتٍ يشهد اضطراباتٍ بجميع أنحاء المنطقة.

إذ قال معتز عبدالفتاح، وهو خبيرٌ سياسي مؤيد للسيسي: «القطارات
تنطلق وتصل في مواعيدها، لقد افتقدنا ذلك طوال عامين ونصف. معظم المصريين يؤيدون
التحلِّي بالصبر وعدم دفع البلاد إلى هذا الشلال».  

تجدر الإشارة إلى أنَّ معظم المتظاهرين يوم الجمعة بدوا شباناً في سن
المراهقة أو أوائل العشرينيات من العمر، أي إنَّهم كانوا أطفالاً في إبان عامي
2011 و2013، حين أطاحت الاحتجاجات رئيسين متعاقبين.

وقال بعض المحللين إنَّ محمد علي، الذي يتمتع بمظهرٍ جيد وبِنية
جسدية لائقة، ربما يُنظَر إليه على أنَّه بطلٌ شعبي، فهو رجلٌ غير متعلم صنع ثروةً
تُقدَّر بالملايين ويحاول الآن إنقاذ الطبقات العاملة. وكذلك فهو لا يتحدث كناشطٍ
ديمقراطي أو رجلٍ سياسي، بل كواحدٍ منهم، أو ربما كشخصٍ كانوا يريدون أن يصبحوا
مثله.

محمد علي قد يصبح بطلاً شعبياً

إذ قالت رباب المهدي أستاذة العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية
بالقاهرة: «إنَّه يلقى صدىً لدى قطاع أوسع من المصريين بطريقة لم يصل إليها
أحدٌ من قبل. فهُم ينظرون إليه ويرونه نسخةً ناجحة من أنفسهم».

وقد لا يكون من المستغرب أن يتمتع محمد علي بالكاريزما أمام
الكاميرا، إذ فاز فيلمٌ من بطولته وإنتاجه يحكي قصة شباب مصريين يخوضون رحلةً خطرة
عبر البحر المتوسط ​​إلى أوروبا، بجائزة لوكسمبورغ للسلام، في يونيو/حزيران من
العام الجاري (2019).

لكنَّ دوافع محمد علي ما زالت غامضة، وكذلك مكان وجوده الدقيق
بإسبانيا. ويُذكَر أنَّه قال في مقالةٍ نُشِرت بالنسخة الإسبانية من مجلة Vanity
Fair في
يوليو/تموز الماضي، إنَّه قرر الإقامة في برشلونة، ومتابعة المشروعات التجارية
هناك بعد قضاء عطلة بالمنطقة.

وقد حاولت صحيفة The New York Times الأمريكية التواصل معه
للحصول على تعليق، لكنَّها لم تستطع.

ويُمكن القول إنَّ محمد علي يحظى بمصداقيةٍ كبيرة بين المصريين،
لأنَّه كان مستفيداً من النظام نفسه الذي يهاجمه الآن بشدة، ولأنه لا يبدو مدفوعاً
بأيديولوجيةٍ معينة.

وفي هذا الصدد، قالت ميشيل دَن، مديرة برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة
كارنيغي للسلام الدولي: «إنه لا يبدو شخصاً من المعارضة لديه أيديولوجية
معينة يدافع عنها بقوة، بل يُنظر إليه على أنه رجل عادي، وليس شخصية من النخبة
تتحدث إلى الناس عن مفاهيم نخبوية مجرَّدة».

وربما يكون السيسي نفسه قد ساعد في تعزيز مصداقية محمد علي حين تحدث
في خطابٍ ألقاه مؤخراً عن ادِّعاءاته، لكنَّه لم يُكذِّبها. 

إذ قال: «نعم، بنيت قصوراً رئاسية، وسأبني المزيد. وسأستمر في
بناء المزيد والمزيد، ولكن ليس من أجلي. وليس هناك شيءٌ باسمي، بل باسم مصر».

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *