أخبار متفرقة

هل قرر ترامب قتل سليماني «لأسباب انتخابية»؟ وماذا ينتظره بعد تغيير استراتيجيته؟

من المستبعد أن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عندما أصدر الأمر بقتل فائق فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني اليوم الجمعة 3 يناير/كانون الثاني، غير مدرك للتبعات التي قد تنتج عن ذلك، وهي قد تعني «الحرب التي لا يريدها أحد»، فما الذي دفعه لاتخاذ هذا القرار؟ وما مدى تأثير موقفه الداخلي المتأزم بهذا التغيير الجذري في سياسته الخارجية؟ وكيف يمكن أن ينعكس ذلك عليه؟

ماذا حدث؟

نفذ الجيش الأمريكي، فجر اليوم الجمعة، ضربة صاروخية في محيط مطار بغداد الدولي أدت إلى مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني، ونائب رئيس الحشد الشعبي العراقي أبومهدي المهندس.

وبرر البنتاغون الغارة في بيان جاء فيه: «الجنرال سليماني كان منخرطاً بصورة نشطة بتطوير خطط لمهاجمة دبلوماسيين وجنود أمريكيين في العراق والمنطقة، الجنرال سليماني وفيلق القدس مسؤولان عن مقتل مئات الأمريكيين وقوات التحالف وجرح الآلاف الآخرين.

الجنرال قاسم سليماني وافق على الهجوم الذي استهدف السفارة الأمريكية في العراق هذا الأسبوع، الضربة كانت تهدف لردع أي خطط هجوم مستقبلية لإيران.. الولايات المتحدة الأمريكية ستستمر باتخاذ كل الخطوات الضرورية لحماية مواطنيها ومصالحها أينما كانت حول العالم». 

ما خلفية الهجوم؟

حتى نقف على خلفية هذا التصعيد الأخطر حتى الآن في الصراع الأمريكي-الإيراني، نعود إلى كيف بدأت سلسلة التصعيد الأخيرة، فنجد أن واشنطن استهدفت مقرات كتائب حزب الله العراقي بضربات صاروخية ليلة الإثنين الماضي 30 ديسمبر/كانون الأول، ما أسقط 25 قتيلاً وأصاب عشرات آخرين، وفي اليوم الأخير من العام الثلاثاء 31 ديسمبر/كانون الأول هاجم الآلاف من ميليشيات الحشد الشعبي في العراق مجمع السفارة الأمريكية في بغداد، وتم إجلاء السفير الأمريكي وجميع العاملين في السفارة وظل بها فقط بعض الجنود.

قائد «فيلق القدس» بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي بالعراق أبو مهدي المهندس

الأربعاء غرد وزير الخارجية مايك بومبيو قائلاً: «الهجوم اليوم دبّر من قبل إرهابيين -أبومهدي المهندس وقيس الخزعلي- وحرّض عليه من قبل وكلاء إيران -هادي العامري وفالح الفياض- وكلهم مصورون خارج سفارتنا».

لماذا غيّر ترامب استراتيجيته؟

اللافت هنا هو أن قرار قتل سليماني تصعيد يستحيل ألا ترد عليه إيران، فالرجل بمثابة أسطورة النظام الإيراني العسكرية على مدى العقدين الماضيين، سواء قررت إيران الرد باستهداف القوات الأمريكية في المنطقة بشكل مباشر (أقل ترجيحاً) أو استهداف السعودية أو إسرائيل من خلال الحوثيين أو حزب الله، وترامب يدرك ذلك جيداً.

عندما أسقطت إيران طائرة استطلاع أمريكية في يوليو/تموز الماضي، لم يكن أحد يتصور ألا ترد واشنطن وتم بالفعل اتخاذ قرار توجيه ضربات عسكرية وأقلعت الطائرات نحو أهدافها، لكن ترامب أوقف الضربة في آخر لحظة بشكل مفاجئ.

وعندما تعرضت منشآت أرامكو النفطية في السعودية لهجمات غير مسبوقة بطائرات مسيرة وصواريخ كروز منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، وخرجت التصريحات من المسئولين الأمريكيين وعلى رأسهم ترامب نفسه تؤكد أن إيران تقف وراء الهجوم، لم يرد ترامب عسكرياً على عكس نصائح مستشاريه مرة أخرى.

أصبح أمراً مسلماً به أن ترامب لن يدخل في أي حرب مع إيران وأنه سيواصل سياسة «الضغط القصوى» التي تهدف إلى خنق طهران اقتصادياً وإجبارها على التفاوض، لكن ذلك أضر بترامب داخلياً بصورة متزايدة، واستغل خصومه من الديمقراطيين ذلك في تضييق الخناق عليه، جنباً إلى جنب مع إجراءات محاكمته في الكونغرس، والأخطر أن كثيراً من الأصوات داخل معسكر ترامب نفسه بدأت تتهمه بالضعف وبأن سياسته تجاه إيران غير ناجحة.

محاولة اقتحام السفارة

مع تكرار هجمات الحشد الشعبي على القواعد الأمريكية في العراق والتي بلغت 11 هجوماً في الشهرين الماضيين أدى الأخير منها إلى مقتل مدني أمريكي وإصابة أربعة جنود، استمع ترامب أخيراً لقادة البنتاغون ومستشاريه بضرورة توجيه رسالة عسكرية شديدة اللهجة لإيران في الساحة العراقية التي أصبحت مسرحاً للمواجهة بين الطرفين.

وهكذا كانت الضربة الجوية ضد مقرات حزب الله العراقي – الذي تتهمه واشنطن بالوقوف وراء الهجمات التي تستهدف قواعدها في العراق – أول رد عسكري يتخذه ترامب ضد إيران، وكان واضحاً أن الهدف منه لا يزال في إطار استراتيجية الرئيس وهي تجنب المواجهة العسكرية، حيث إنه لم يَسقط قتلى إيرانيون والتصعيد يعد محسوباً.

من المهم هنا حتى تكتمل صورة المشهد الداخلي الأمريكي التوقف عند تصريحات وزير الدفاع مارك إسبر ووزير الخارجية بومبيو وقادة البنتاغون والتي ركزت جميعها على أن الضربات الجوية ربما تتبعها ضربات أخرى أكثر حدة، على حسب المواقف على الأرض.

رد الفعل من إيران تمثل في زحف ميليشيات الحشد الشعبي نحو مقر السفارة الأمريكية وحرق بوابتين وحصار مباني السفارة وهي مشاهد نقلتها العدسات ووسائل التواصل، وهذا ما نقل الوضع إلى مرحلة خطيرة لها أسباب نفسية لا يمكن استبعادها عن المشهد الداخلي الأمريكي.

أزمة الرهائن في طهران قبل أربعين عاما / أرشيفية

قبل أسابيع مرت الذكرى الأربعون لاقتحام السفارة الأمريكية في طهران وأزمة الرهائن الأطول في التاريخ والتي جعلت الشعب الأمريكي يقضي 444 يوماً متسمراً أمام شاشات التليفزيون يتابع محاولات إنقاذ الرهائن ويشاهد معها تعرض القطب الأقوى في العالم للمهانة وضياع الهيبة أمام الاندفاع الثوري الإيراني، وهكذا كانت مشاهد تعرض السفارة في بغداد للحصار وحرق العلم وترديد نفس الهتاف «الموت لأمريكا» تذكيراً مؤلماً بالسبب الأساسي وراء العداء بين أمريكا وطهران، وظهر ذلك جلياً في التقارير الإعلامية الأمريكية التي ركزت على تلك المقارنة بصورة لافتة (صحيفة واشنطن بوست نشرت تقريراً بعنوان: «إيران تفوقت على الولايات المتحدة مرةً أخرى»)

تصريحات ترامب حول الهجوم على السفارة ركزت على عدم تعرض أي أمريكي لأذى، على عكس ما حدث في بني غازي بليبيا عام 2012 (تم اقتحام قنصلية أمريكا وقتل السفير وثلاثة آخرين)، وهي مقارنة موجهة من ترامب للناخبين (أنا أفضل من أوباما)، فالرئيس الأمريكي دائماً يضع نصب عينيه انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني هذا العام.

هل يعني قتل سليماني رغبة ترامب في الحرب الآن؟

في هذا السياق يأتي قرار قتل سليماني الذي يمكن وصفه بالقرار «غير الترامبي»، لأن عدم الرد بقوة على الهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد – من وجهة النظر الأمريكية – يعني أن طهران ربما تتمادى أكثر، وقتل سليماني تم وهو في طريقه إلى العراق قادماً من سوريا وعلى الأرجح كان سليماني ذاهباً كي يناقش أو يخطط للرد على الضربات الجوية التي استهدفت ميليشيات حزب الله العراقي.

وبالتالي قرر ترامب الاستماع لنصائح مستشاريه وتوجيه تلك الضربة التصعيدية الخطيرة والتي تقول إن واشنطن مستعدة للحرب مع إيران، وإن ترامب ليس ضعيفاً، وإنه قادر على اتخاذ قرار الحرب في أي لحظة، وهذه الرسالة موجهة إلى الداخل الأمريكي أكثر ما هي موجهة إلى إيران.

انقسام في الكونغرس على اغتيال سليماني.. بين من وصفوا ترامب بـ«البطل»، وتحذيرات من الحرب
الكونغرس الأمريكي/رويترز

ولو نظرنا إلى ردود الفعل داخل واشنطن على قتل سليماني لوجدنا أن الانقسام الحزبي موجود كما هو، فالديمقراطيون انتقدوا قرار ترامب من ناحية، لأنه لم يطلع قيادات الكونغرس على تلك الضربة، ومن ناحية أنها تمثل تصعيداً خطيراً وتعرض مصالح أمريكا وحلفائها في المنطقة للخطر، لكن الجمهوريين رحبوا بقرار ترامب واعتبروه الخطوة الصائبة، وكان لافتاً أن السيناتور الجمهوري ميت رومني أكثر المنتقدين لترامب والذي كان متوقعاً أن يصوت لصالح عزل ترامب (الوحيد ربما حتى الآن) في مجلس الشيوخ، أصدر بياناً عبر فيه عن تأييده لقرار الرئيس بقتل سليماني.

هل قرار قتل سليماني في صالح ترامب أم ضده؟

الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بشكل مباشر بما ستقدم عليه طهران في الساعات والأيام القادمة، بمعنى أن طهران لو أقدمت على «خيار شمشون» أي الرد باستهداف مباشر للقوات والمصالح الأمريكية في المنطقة واشتعلت مواجهة مفتوحة بين الطرفين، فإن مصير ترامب وقتها سيكون معلقاً بالمدى الزمني الذي قد تستغرقه هكذا مواجهة وليس بنتيجتها النهائية.

في حال نجحت واشنطن في الإطاحة بالنظام الإيراني عن طريق القوة وعدم الدخول في مواجهة طويلة الأمد، سيصب ذلك على الأرجح في صالح إعادة انتخاب ترامب وسيتحول لبطل قومي، فقد أقدم على ما أحجم عنه أوباما وجورج بوش الابن، بحسب قراءة نيويورك تايمز لقتل سليماني.

أما في حالة سقوط قتلى أمريكيين بأعداد كبيرة في المواجهة وتحولها إلى كر وفر وضربة هنا وضربة هناك، فسيكون الديمقراطيون في موقف أقوى داخلياً، حيث سيكون ترامب ذلك الرئيس الضعيف الذي تردد في الرد عسكرياً حتى وضع الولايات المتحدة في موقف أضعف وتسبب بتغيير استراتيجيته لأسباب انتخابية في الإضرار بالمصالح الأمريكية وحلفائها وتقويض النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.

السيناريو المثالي بالنسبة لترامب يتمثل في لجوء طهران إلى عدم الرد التصعيدي والرد بشكل محسوب – وهذا هو السيناريو الأقرب قياساً على سياسة حافة الهاوية التي تتبعها إيران دون الانزلاق إلى الهاوية فعلياً – كأن تلجأ طهران إلى قيام حزب الله بإطلاق بعض من صواريخه تجاه إسرائيل أو استهداف السعودية من خلال الحوثيين، وبالتالي يمر قتل سليماني دون الانزلاق إلى الحرب فعلياً بين الجانبين.

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *