مرآة العالم

وجهان مختلفان لمكيافيلي (2-2)

الأمير

 
في الأمير كان هاجس مكيافيلي يكمن في تحقيق إمارة قوية مستقرة، بعدما عايش وعاين الاضطرابات السياسية- العسكرية التي تعيشها المدن الإيطالية آنذاك، ولذلك لم يكن مهتما بالمدن المستقرة التي يرتبط بها الحكام والمحكومون في ما بينهم بعقد صريح، بقدر ما كان مهتما بما تخلقه القوة من أوضاع لا تتدخل فيها أي اعتبارات قانونية.

إن الأمير الجديد مهما كان وصوله إلى العرش، فإنه مضطر إذا أراد البقاء في السلطة، أن يراعي سلوكا ما محددا بدقة، أي أن يخضع لبعض القواعد العملية.

وهذه القواعد العملية، هي استخدام العنف والقسوة وعدم الرأفة وعدم الوفاء بالتعهدات والكذب إن اقتضى الأمر، ولذلك، رفض آراء منظري عصره الذين قالوا إن الأمير مطالب بأن يكرس نفسه لحياة الفضيلة من أجل تحقيق الشرف والمجد والشهرة.

عكس ذلك ما أكده مكيافيلي، عندما قال إن تلك النظرات الساذجة أغفلت مقدار ما يعتمد حفظ الحكومة الناجحة على الإرادة التي لا تحجم عن إكمال فنون الإقناع باستعمال القوة العسكرية الفعالة.

الأمير الذي يرغب في الحفاظ على دولته، فسوف يجد من المفيد التصرف تصرفا متحديا للإخلاص الجيد، مبتدئا بصفة البخل، بالقول إنه في زماننا أنجزت أمور عظيمة، ولم يكن منجزوها سوى البخلاء.

لا يعني ذلك أن مكيافيلي يرفض تحقيق الشرف والمجد والشهرة، فهذه الأوصاف كانت أساسية في فكر عصر النهضة والنظريات السياسية نهاية العصور الوسطى، لكنه رفض الاعتقاد السائد المفيد بأن السبيل الأضمن لتحقيق تلك الأهداف هو دائما متمثل في العمل بالطريقة الفاضلة تقليديا، فلم يكترث مكيافيلي بأن يستخدم الأمير وسائل غير أخلاقية لتحقيق أغراض سياسية.

فهو يقول إذا عمل الأمير على ممارسة الفضيلة في كل أمر فسوف يكتشف أنه سيحزن.

كان هدف مكيافيلي الأول توطيد الدولة وتحقيق الأمن والسلام في ربوع إيطاليا، ولأجل هذا الهدف، تطلب الأمر برأيه وجود أمير قوي يرسخ حكما قويا وإن كان مستبدا، ومن حقه استخدام كافة الأساليب لتحقيق ذلك، فلكي يتم تنظيم جمهورية من الأساس بشكل جيد أو إصلاحها إذا ابتعدت كليا عن قوانينها الأصلية، من المناسب اللجوء لرجل واحد لمشرع واحد.

إن الديكتاتورية التي يدعو لها مكيافيلي وفقا لمثال روما، ليس لديها أي شيء مشترك مع دكتاتورية قيصر، فالدكتاتورية في روما الجمهورية، كانت بشكل صارم شرعية ومؤقتة: الدكتاتور لم يكن يُعين إلا لفترة محدودة، وهو لم يكن يستطيع فعل شيء من شأنه الإضرار بالحكم القائم .

عند هذه النقطة يفترق مكيافيلي عن معاصريه وسابقيه الذين اعتقدوا أن الأخلاق المسيحية والفضيلة والشجاعة والشرف التي يتحلى بها الأمير كافية لتحقيق الأهداف العليا للدولة.

ويتجلى هذا الخلاف أكثر وضوحا بين مكيافيلي وإراسموس، فقد طرح الأخير في كتابه “الأمير المسيحي” السؤال ذاته الذي سبق أن طرحه مكيافيلي في كتابه الأمير، وهو ما العمل؟ إذا وجدت نفسك لا تستطيع الدفاع عن بلادك بدون انتهاك للعدالة، ومن غير خسارة كبيرة في الحياة البشرية، وبدون فقدان عظيم في الدين؟

كان جواب إراسموس، أن لا تفعل أي شيء يمكن أي يضر بالعدالة، حتى ولو صدر عن أفضل الدوافع، أما مكيافيلي فقد برر فعل أي شيء، ولو كان لا أخلاقيا بغية الحفاظ على الدولة، وبين هذين الاثنين يقع أعظم انقسام أخلاقي.

لم يقتصر الأمر على إراسموس، فقد شجب كل ريجينالد بول وروجر أسكام أفكار مكيافيلي في الأمير، لكن أكثر أشكال الهجوم تنظيما جاءت من فرنسا، في كتاب حمل عنوان “ضد مكيافيلي” لمؤلفه إنوسنت جنتييه 1535- 1588.

ثم جاء موقف عنيف مضاد لمكيافيلي من إسبانيا، على يد ريبادينيرا في كتابه “الدين وفضائل الأمير المسيحي”، الذي فند فيه أسس التفكير السياسي الخاطئ لمكيافيلي.

هو فرق إذا، بين من ينظر للسياسة من منظار معياري، أي ما يجب أن يكون، فيصبح الهدف نصح الأمير، وبين مكيافيلي الذي نظر إلى السياسة من حيث هي كذلك، كممارسة قائمة على أرض الواقع، لها أخلاقها الخاصة المنفصلة عن الأخلاق العامة أو القيم الدينية.

إن التمييز بين أخلاق خاصة وأخلاق عامة، يدل على واقعية سياسية، فالسياسة توظف مقولات غير تلك التي توظف في الحياة الخاصة، للسياسة مقولاتها الخاصة وأخلاقها الخاصة.

يجادل ميشيل سينيلار في أن مكيافيلي يرى في فن الحرب، العلم الحقيقي لمن يحكم، وهذا التصور الحربي لفن الحكم لا يجد تفسيره بالسياق التاريخي المتمثل بالخصومات التي تواجهها الدويلات الإيطالية، ولا بالتقليد الذي كانت تتمثل بموجبه وظيفة الأمير بالدفاع عن وطنه، إنما يجد تبريره في التحليل للواقع السياسي.

بالنسبة لمكيافيلي السلم خادع، لأنه يجعل المرء يعتقد بثبات الأشياء، وهو ما يشكل بالنسبة له الخطأ السياسي الأشد خطرا.

يكتب مكيافيلي في الأمير ما يلي:

نظــــرا لأن نيتي تتجه لكتــــــابة أشياء
مفيدة، فقد بدا لـــي من المـــلائم تتبع
الحقيقـــة الفعلية، الواقعية للشــــيء 
بدل تخيله.
لقــد تخيل البعض جمهوريات وإمــارات 
لــــم تشــاهد إطـلاقا ولم يعــرف أنهــا
حقيقية، وهنــاك فرق شاسع بين مــا 
يعيشــه المــــرء ومــا يجب أن يعيشه، 
بحيث أن الذي سيـدع ما يحـدث ويهتم 
بما يجب أن يحدث، سيتعلم كـــــــــيف
يضمحل بـدل أن يتعلم كيف يحفظ ذاته.

شكل هذا الكتاب قطيعة إبستمولوجية مع السائد من النظريات السياسية في نهاية العصر الوسيط وعصر النهضة، خصوصا مع مهاجمة مكيافيلي للدين بشكل عام، وللمسيحية بشكل خاص.

فالمسيحية برأيه، تجعلنا نكن قدرا قليلا من التقدير لمجد هذا العالم، فهي تمجد أكثر الناس الوضيعين الذين يكرسون وقتهم للحياة التأملية، وتطالب بقوة النفس من أجل تحمل الآلام.

الخطب

التاريخ بالنسبة لمكيافيلي لا يسير على خط ثابت مستقيم، بل هو دائري، أي أن الأحداث الماضية ستعود وتحدث من جديد وإن صارت بأشكال مختلفة، ومن هنا كان اهتمامه منصبا في كتابه الخطب على تاريخ روما الجمهوري، من أجل الاحتذاء بتاريخها الجمهوري وديكتاتوريتها القصيرة التي كانت ضرورية لبناء الجمهورية. 

يبدي مكيافيلي إعجابه بالمدن الألمانية في عصره، لأنها تتمتع بالحرية، وكذلك الأمر حين تحدث عن إدارة روما لمناطقها المحتلة، وقد أكد أن هذا التوسع لعب دورا في مساعدة الجمهورية لتظل متمتعة بحرياتها السلمية.

وقد قال مكيافيلي صراحة في الخطابات:

إن عظمة الجمهورية الرومـــانية يمكن
عـــزوها وبمقدار كبير إلـــــــى الحقيقة
المفيدة أن قادتها لم يتوقفوا عن إدخال
مؤسسات جديدة دعما للحريات التــي
تمتعت بها.

دافع مكيافيلي في الخطب عن النظام الجمهوري من النوع الخليط كأفضل شكل للحكم.

في الخطاب الأول، ركز مكيافيلي على إظهار كيف تمكنت روما من التخلص من ملوكها وتحقيق العظمة في نظام الحرية الديمقراطية.

وفي الخطاب الثاني، تناول كيف ساعد التوسع المتعاظم لروما في الحفاظ على حرية شعبها.

أما الخطاب الثالث، فقد خصص لشرح إسهام بعض الرجال في عظمة روما، وما أنتجوه من نتائج مفيدة في المدينة، وبخاصة الاستمرارية الطويلة لحرياتها.

يرفض مكيافيلي حكم الطغيان إلا كتعبير عن لحظة تاريخية سريعة، ولذلك نجده في استعادته لتاريخ روما يهاجم طغيان قيصر الذي قضى على مجلس الشيوخ والتعددية السياسية، حيث كرس فصلا كاملا للتمييز بين شعب اعتاد أن يحكمه أمير وشعب استطاع التخلص من طغيان الأمير وتأسيس حكم جمهوري تعددي.

هنا يتناول مكيافيلي مفهوم الشجاعة بصورة مختلفة تماما عما تناولها في الأمير، ففي كتاب الأمير ركز على شجاعة الأمير نفسه، وعكس ذلك حصل في الخطابات، حيث لم يكن معنيا بشجاعة الأفراد فقط، بل أيضا في الفكرة المفيدة أن الصفة ذاتها يمكن أن يعرضها جسم المواطنين ككل.

أيضا نجد الاختلاف في الكتابين حول مفهوم الحرية، ففي الأمير قصد مكيافيلي بالحرية، الاستقلال من العدوان الخارجي والطغيان، لكن في الخطب قصد قوة الشعب الحر في حكم نفسه عوضا عن أن يكون محكوما من أمير.

وبالتالي، لم يكن غريبا أن يدخل مكيافيلي في جدال مع مفكري عصره اللذين دافعوا عن شكل من الجمهورية تختزله النبالة، في حين أصر هو على أهمية إشراك الشعب في الحكم، ذلك أن تضارب مصالح الشعب مع مصالح النبالة ينشئ توازنا سياسيا يحافظ على الدولة ويمنع أي من الطرفين من الهيمنة على الآخر.

وإذا كان مكيافيلي قد برر كل شيء من أجل المصلحة العليا للدولة، فإن هذه الأخيرة ليس لها قيمة مطلقة في ذاتها، وإنما قيمتها العليا تتجسد في تحقيق الخير العام والحرية والأمن والسلام للشعب، وهنا وجه آخر لمكيافيلي لم يعرفه كثير من الحكام الذين اكتفوا بقراءة كتاب “الأمير” فقط وأهملوا “الخطب”.

 

 

اقرأ أيضا: وجهان مختلفان لمكيافيلي (1-2)

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة