مرآة البلد

هل باعت غرفة عمليات حمص حي الوعر و المحافظة برمتها؟

واصل نظام الأسد خطته الرامية إلى طرد المعارضة السورية من آخر معاقلها في حمص المدينة، و صعّد خلال الأيام القليلة الماضية من حملته العسكرية على حي الوعر، استكمالًا لما بدأه منتصف تموز/يوليو الماضي في قريتي قزحل و أم القصب المجاورتين.

و حي الوعر الذي يشهد سلسلة من الحصارات على مدى السنين الثلاث الماضية، يعتبر آخر منطقة تسيطر عليها قوات المعارضة السورية في حمص المدينة، بعد الاتفاق الشهير الذي خرج بموجبه ثوار حمص القديمة إلى ريف حمص الشمالي أوائل شهر أيّار/مايو 2014.

و تعتبر فصائل المعارضة السورية في ريف حمص الشمالي، الأمل الوحيد للمدنيين في حي الوعر، بحسب ما رصده موقع “مرآة سوريا” من عشرات اللقاءات مع الأهالي في الحي خلال الأيام الأربعة الماضية.

و يقول “أبو محمد”، الذي فقد ابنته في قصف مدفعي سابق على الحي:”نثق بكتائب ريف حمص الشمالي، و خصوصًا بفصائل حمص القديمة التي عانت من الحصار كما نعاني منه الآن”.

بينما تقول “نجاح .س”:”أنا مطلوبة للأفرع الأمنية منذ 8 أشهر، إن دخل الجيش إلى الوعر، هل لكم أن تتخيلوا ماذا سيحصل لي؟، أنا أعلم أنّ ثوار حمص لن يتركوا الوعر و شأنه، فالعشرات من نساء الحي هنّ مطلوبات للنظام، و عرضنا يحميه الثوار الذين حملوا السلاح لصونه و حمايته منذ أن صرخنا “حرية” قبل 5 سنوات”.

موقع مرآة سوريا توجه أيضًا إلى ريف حمص الشمالي، و لامس ما يدور في الدوائر الضيقة لفصائل المعارضة الناشطة فيه، بما فيها التشكيلات التي استحدثت بعد خروج المقاتلين من حمص القديمة، أو تلك المتشكلة أساسًا من أبناء مدن و قرى الريف الشمالي.

 

قدرة عسكرية منوّمة!

و تتجمع كبرى الفصائل العسكرية بالمنطقة في غرفة عمليات واحدة تحمل اسم “غرفة عمليات ريف حمص الشمالي”، و يعتبر كل من فيلق حمص و حركة أحرار الشام، و جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقًا)  وألوية 313،  قوتها الضاربة.

و بقراءةٍ سريعة لأوضاع هذه الفصائل الأربعة فإنّ ما صدر و يصدر من مكاتبها الإعلامية من صور وتسجيلات مرئية، يؤكد امتلاكها قوام كتيبة مدرعة كاملة من دبابات وعربات غنمتها من قوات جيش الأسد.

كما وعلم موقع مرآة سوريا بوجود العشرات من الصواريخ المضادة للدروع لدى فصائل هذه الغرفة،حيث  ظهر ذلك جليًا خلال المعارك الأخيرة التي شهدها ريف حمص الشمالي في جوالك و المحطة و حربنفسه و غيرها، والتي استخدمت فيها الصواريخ المضادة للدروع و أدّت إلى تدمير و إعطاب نحو 14 دبابة و مدرعة و ناقلات جند و آليات عسكرية أخرى لقوات النظام.

 كما يتزوّد نحو 10 آلاف مقاتل يتبعون لفصائل غرفة عمليات ريف حمص الشمالي – بحسب الأرقام التي تصرح بها هذه الفصائل رسميًا – من مستودعات تحوي آلاف قذائف الهاون وكميات هائلة من الذخائر، بالإضافة إلى صواريخ محلية الصنع يتم بث مقاطع مصورة لها بكثرة على صفحات الفصائل في مواقع التواصل الاجتماعي.

و بحسب قائد عسكري متواجد في ريف حمص الشمالي فإنّ فصائل غرفة عمليات ريف حمص وحدها قادرة على فتح معركة هي “الأكبر بتاريخ الثورة في حمص” وفق تعبيره.

و يقول القائد العسكري الذي طلب عدم ذكر اسمه لموقع مرآة سوريا:”بالنظر إلى القوة التي تملكها فصائل غرفة عمليات ريف حمص الشمالي، فإنّه من الغباء أن نقول إن فصائل حمص المتواجدة في الريف غير قادرة على القيام بعمل جبار يقلب الموازين”، فيما يعتبر أنّ قدرات هذه الفصائل “قيد التنويم”.

 

الوعر ليس أولوية

المعلومات التي وصل إليها موقع مرآة سوريا من الدوائر الضيقة المحيطة بقادات فصائل غرفة عمليات ريف حمص الشمالي تحديدًا، تشير و بشكل لا لبس فيه إلى أنّ الأجندات التي تحكم هذه الفصائل لا ترى البتة أهمية في وجوب بدء عمل عسكري لفك حصار الوعر، أو خلق تغيير جديد في المنطقة، كفيل بعدم تهجير نحو 70 ألف مدني قابعٍ في الحي و تجنيبهم الموت الذي يلاحقهم مع كل غارة جوية أو قصف مدفعي.

حيث تنشغل حركة أحرار الشام الإسلامية بجبهة قريتي الزارة و المحطة، و ترمي بثقلها العسكري في التركيز على هذه الجبهة، فيما تملك من الأسلحة و العتاد ما هو قادر على أن يكون مؤثرًا في أي عمل عسكري كبير، علاوة على تبديده في الرباط وصد محاولات النظام المتكررة لاسترجاع المناطق المحررة حديثاً..

و يحرص فيلق حمص، الذي يضم بشكل خاص مقاتلي حمص القديمة و حي باباعمرو، إلى جانب رباطه على الجبهات، على إدارة المعبرين التجاريين في الدار الكبيرة و جوالك، و هو يدرك تمامًا أنّ أي عمل عسكري في المنطقة كفيل بإغلاق هذين المعبرين و تعطيلهما، كما ينشغل مقاتلوه في الفترة الأخيرة بمعسكر تدريبي، و بقصف متقطع لمحطة الزارة الحرارية تحت عنوان إعلاميّ “نصرة لحي الوعر”.

فيما تحتل مسألة فتح طريق نحو شمال سوريا، أولوية قصوى لدى ألوية 313، و هو الفصيل الذي يحظى بظهور إعلامي مكثّف قياسًا إلى بقية فصائل المنطقة، بعدد من مقاطع مصورة تظهر تدمير الدبابات بصواريخ مضادة للدروع، و استهداف حواجز النظام بصواريخ محلية الصنع، حيث بدد هذا الفصيل قدراً كبيراً من قدراته الصاروخية المضادة للدروع على أهداف هامشية وغير مهمة في سبيل إبراز قوته على وسائل التواصل الاجتماعي.

أما جبهة فتح الشام فما زالت بعيدة عن أي نقطة رباط في مناطق تلبيسة والرستن منذ قتالها لتنظيم الدولة في شهر تموز/يوليو 2015، وتكتفي بعمليات فردية وكمائن لقوات النظام خصوصاً في مناطق ريف حمص الشرقي.

وبالانتقال إلى التشكيلات الأخرى خارج نطاق غرفة عمليات ريف حمص الشمالي، فهي في مجملها فصائل “شكلية”، تنشغل بحفظ أمن مقراتها، و بث صور مقاتليها على مواقع التواصل الاجتماعي.

و ترفض حركة تحرير حمص التي يقودها العقيد فاتح حسون، المشاركة في أي عمل عسكري في ريف حمص الشمالي، و اهتمت مؤخرًا ببث مقاطع مصورة تظهر تلقي بعض مقاتليها دروسًا في استخدام صواريخ مضادة للطائرات.

فيما يبقى جيش التوحيد الذي يضم عددًا من الفصائل على خلاف كبير مع غرفة عمليات ريف حمص الشمالي، و هذا الخلاف كان و ما زال كفيلًا بمنع وجود أي تنسيق عسكري بين الطرفين.

 

و بحسب محاضر اجتماعات غرفة عمليات ريف حمص الشمالي العسكرية، و التي اطلع موقع مرآة سوريا على بعضها، فإنّ جميع فصائل الغرفة و شخصياتها العسكرية تبدي استعدادها لعمل عسكري، لكن في نفس الوقت، لا تترافق هذه الاستعدادات أبدًا مع خطوات ملموسة، و لا تتجاوز كونها مادة في محاضر هذه الاجتماعات.

 و لم تكن فكرة العمل العسكري تجاه حي الوعر، انطلاقًا من ريف حمص الشمالي، وليدة الوضع الحالي، إنّما كانت على لسان قادة فصائل المعارضة و مقاتليها شمال حمص منذ أن بدأت سلسلة الحصار التي يفرضها النظام على الحي منذ 3 سنوات مضت.

إلّا أنّ هذه الفصائل ذاتها، وقعت بسهولة في شرك خطة عسكرية للنظام لم تكلفه أكثر من مئات الرصاصات و عشرات القذائف على قريتي قزحل و أم القصب، حتى استولى على هاتين المنطقتين منتصف تموز/يوليو 2016، باتفاق يشابه تمامًا اتفاق خروج الثوار من حمص القديمة، إلّا أنّه حصل عليه دون قتال، و دون مقاومة تذكر.

و رغم أنّ فيلق حمص، و حركة أحرار الشام أطلقا معركة “عشوائية” تحت اسم “تلبية النداء”، نجدة لقريتي قزحل و أم القصب، إلّا أنّ هذه المعركة توقفت فجأة على وقع المفاوضات التي أفضت إلى ما رسمه النظام تمامًا، و هو السيطرة على قزحل و أم القصب، و نسف أي احتمال لوصول مقاتلي المعارضة من ريف حمص الشمالي إلى حي الوعر.

و قال كثير من المدنيين قبل قادة عسكريين إنّه لو حكم التخطيط و التنسيق  معركة “تلبية النداء”، و لو ساهمت فصائل المعارضة في ريف حمص الشمالي في هذه المعركة، و لو تم وضع خطة عسكرية محكمة، لكان حي الوعر الآن متصلًا بريف حمص الشمالي.

 

إمكانية مكلفة

 و لا يسع فصائل ريف حمص الشمالي الآن إلّا تحرير الكتائب العسكرية، و الكلية الحربية، التي تفصل حي الوعر عن الريف الشمالي، كي تقلب الموازين ليس فقط في حمص وحدها، إنّما في سوريا برمتّها، فموقع حمص الجغرافي و المعنوي في سوريا يحتل شأنًا عظيمًا، دفع النظام و من خلفه الميليشيات الإيرانية إلى السعي الحثيث لمنع وجود قوة عسكرية معارضة قوية في هذه المحافظة.

و مما تقدم ذكره على لسان الخبير العسكري، فإنّ فصائل ريف حمص الشمالي، قادرة على خلق قوة عسكرية كبيرة، قادرة على ضرب معاقل النظام في كتائبه العسكرية وصولًا إلى حي الوعر، و ما بعد حي الوعر، إلّا أنّ غياب الإرادة الحقيقة لدى هذه الفصائل يمنع ذلك، و لا يصب إلا في خدمة أهداف النظام في إحكام سيطرته على حمص المدينة.

ويضيف محدث الموقع عن أهمية التحرك فوراً لإنقاذ حي الوعر:”الفصائل وقادتها بعيدون كل البعد عن إدراك خطورة الوضع، سقوط حي الوعر سيتبعه ضغط كبير على الريف الشمالي بهدف احتلاله وتهجيد أهله”

هذا ويرى نشطاء حمص أن هدف النظام النهائي هو إفراغ حمص مدينة وريفاً من “السنة” تمهيداً لجعلها جزءاً من الحزام الشيعي الذي ينوي خلقه حول لبنان .

و رغم أنّ الكلفة البشرية و المادية لمعركة واسعة النطاق في حمص، قد تكون كبيرة جدًا، إلَا أنّها كفيلة بقلب موازين الصراع في سوريا، و إن حصلت فإنّها لن تقل شأنًا عن معارك الشمال السوري الكبرى، والتي استطاعت فصائل المعارضة المسلحة خلالها من إنقاذ مدينة حلب ، بالإضافة لاستيلائها على أسلحة وذخائر تكفيها للقتال شهوراً طويلة، وتغنيها عن استجداء الداعمين.

الوسوم

مقالات ذات صلة