أخبار متفرقة

اذكروا محاسن موتاكم

على مهلك، على أقل من مهلك، ادخل بقدمك اليسرى يا سيادة الرئيس، وصلت بألف سلامة. أخيراً، أخيراً.

اليوم؟ 25 من فبراير،
وهؤلاء؟ كانوا ينتظرونك من 25 يناير، ومن أول فبراير وألف فبراير قبل هذا العام،
هؤلاء؟ أبناء فبراير الأول الذي شهد غرقهم مع عبارة السلام في ظلمات الليل الأسود
والبحر الأحمر، وهؤلاء؟ أبناء فبراير الثاني الذي شهد تفحّمهم في قطار الصعيد
وتحولهم إلى مواطنين مشويّين، وهؤلاء؟ أبناء فبراير الأسود الذي أرسلت فيه خيلك
وجِمالك، وأطلقت فيه ذئابك وكلابك، فقتلوا كل هؤلاء الصغار، وأتوك فقلتَ لهم:
«برافو»، وهؤلاء؟ كل الذين ماتوا في سجونك بعد أن عاشوا في أغلالك وسلاسلك، وكل
الذين وضعتَ لهم «لفافة البانجو» في حلوقهم لأنهم طالبوا بـ«لقمة العيش»، وكل
الذين قنصتَ رؤوسهم وشربت بعدها من دمائهم بالأمس الطويل جداً يا سيادة الرئيس،
واليوم؟ 25 من فبراير الأخير.

وهؤلاء؟ الذين
وُلدوا واقفين وماتوا عرجى، الذين أفنوا أعمارهم ثابتين في الطوابير، طابور
الولادة، طابور العيش، طابور الأنابيب، طابور المواصلات، طابور المستشفى، طابور
الموت، ثم كان بجوارهم حين ماتوا،  آخرون يخرجون في طوابير؛ لأن الممرات بين
المقابر التي يعيشون بها كانت ضيقة.

وهؤلاء؟ الذين
لم يولدوا أصلاً، الذين وأدتهم في صراع الفقر والغنى، الذين دهستهم بموكبك،
وعلقتهم على حديد عز، وأطعمتهم الخبز ببقايا الزواحف، وجرّعتهم السمّ بينما كان
طفلاكَ يسفّان السمسم.

وهؤلاء؟ الذين
وُجدوا في المستشفيات كما هم، كأنهم عالقون هناك منذ بناء الأهرامات، محكوم عليهم
بالمؤبد؛ لأن الأماكن المخصصة للتعافي تصيب بالمرض، فإن رحلوا ماتوا لأنهم خارج
المستشفى، وإن أقاموا ماتوا لأنهم داخل المستشفى، فآثروا الموت على نفقة الدولة،
بعدما فشلوا في الحياة على نفقة الدولة.

وهؤلاء؟ نحن يا سيادة الرئيس، كلنا، كل المهمشين في
العشوائيات، والمتسولين في الحارات، والنائمين في الطرقات، والعرايا في البرد
القارس، والمكافحين في الشمس الحارقة، والهائمين على وجوههم بلا وجهة، والنائمين
في المشافي بلا أسِرّة، والآكلين من القمامة بلا هوادة، والزاحفين على الإسفلت
يتعاركون على الفتات الساقط من إحدى العربات التي كانت تُقل خبزاً إلى قصرك.

محاسنك؟ وأي محاسن تلك التي
نذكرها؟ ماتت محاسن حين ماتت سالي زهران. مكارمك؟ ماتت مكارم حين مات كريم بنونة.
الشعب؟ مات من الجوع، ومات من الشبع بالقمح المسرطن ومياه الصرف الصحي. الكباري؟
أقيمت تحتها دولة كاملة من العشش، ونشأ فوقها شعبٌ كامل من المشردين. الجسور؟
انتحر من فوقها كل هؤلاء الذين تراهم، نادوك فلم تسمع، صرخوا فكتمت أصواتهم، هربوا
فقنصتهم، ماتوا فأقاموا جنازاتهم قبل موعدها، وقفزوا من فوق جسر قصر النيل. الطرق؟
قُتلوا فوقها بعد أن نزفوا ولم يجدوا سيارة إسعاف واحدة، وماتوا محروقين ولم يجدوا
سيارة إطفاء واحدة، وماتوا مقتولين ولم يجدوا سيارة نجدة واحدة، لم تتحرك إليهم
لأنها كانت بلا وقود، والوقود كما تعلم يأتي من البترول، والبترول كما تعلم أرسلته
إلى إسرائيل.

إلى أين تذهب؟ أجل، إلى ذلك
الذي ظننتَ نفسك لن تقابله، تستغفر الله؟ أي «الله» فيهم يا سيدي؟ الذي كان رجالُك
يقسمون أنهم سيضعونه في الزنازين بجوار المستغيثين به من عذاب معتقلاتك، أم «الله»
الذي أقسمتَ به يوم القسَم العظيم، وحنثتَ في القسم وخنتَ البلاد والعباد.. وقتلت الولاد،
الذين وهبهم الله الحياة وقلتَ له: لا. لا يعجبونني، سأسلبها.

إلى أين يأخذونك؟ إلى ذلك
الذي ظننتَه بعيداً، لكنه كان أقرب من قصورك كلها، ولأن القصور جعلتك «قاصراً» عن
رؤية غيرها، توهمتَ أن المقبرة على مسافة طويلة منك، وكانت تناديك، وكانت ترقبُك،
وكانت تريدك، لكن الله أراد أن تدخل إليها «مستوياً»، رائحتك تسبقك إليها، فتلتهمك
بشراهة، وتقول: تعال، كم تعاليتَ.. تعال.

من يزفك إلى الآخرة؟ هؤلاء،
كل أبناء الحياة يزفونك بالدعاء عليك، يربّتون على يد ملك الموت كأنهم يقولون
«اتوصّى»، يشدون على أيدي ملائكة العذاب، يجرون في الجنة من ملك إلى ملك، ويقولون
للملك الأعظم: الآن الآن، أرِنا الضيف الجديد.

مَن أنا؟ أنا ذلك الطفل الذي
مِثل أطفال كثيرة، لم يرَ والدَه نصف عمره، لأنه كان يبيت خارج البيت أو في مقابر
سعادتكم، لأن جهاتك السيادية تحرم الأطفال من أهلهم بدعوى الحفاظ على أمن الدولة،
فيضعونهم في «أمن الدولة» نفسه، ويربطون لهم عيونهم، ويكبلون أياديهم، ويضعونهم في
اختراعٍ، يعذبونهم فيه، اسمه الثلاجة، والآن دورك سيدي في الثلاجة، وثلاجة عن
ثلاجة تختلف.

من أنت؟ أنت الذي قطفت زهور
أعمارنا الصغيرة، لم نرَ فيها وجهاً غير وجهك، لم نفهم يوماً أن هناك غيرك على
التلفاز، في الراديو، داخل البرواز، لم نستوعب يوماً أنك قد تتحرك يمنةً أو يسرةً
عن العرش الذي التصق بمؤخرتك، ويوم أراد الله وقلنا: الشعب يريد، خانتك قواك،
وأمرتَ بإعدامنا في ميادين الحياة، ونجا بعضنا ومات أكثرُنا، لكننا تكاثرنا من
جديد، وكثرنا، وصار الألف مليوناً، وصار الشارع ميداناً، وصار العيالُ شعباً
كاملاً، وضع صورك تحت الأحذية، وأدخلك بأياديه الشريفة إلى ما وراء القضبان، ورآك
ذليلاً بعد عز، ورآك خيالاً بعد اختيال، ورآك شيئاً باهتاً يختفي بسرعة، ثم صار لا
يراك.

تاريخك؟ يحكيه الحاضر،
وسنحكيه -نحن أبناء الحاضر- إلى المستقبل، إلى الصغار، سنحكي لهم عنك، وسنذكر لهم
«محاسنك»، وسنريهم صور الشهداء، سنروي لهم قصصهم كاملة، سنجعلهم أبطالاً لحياتهم،
سينبهرون بهم، سيطلبون مقابلتهم، سنقول لهم حينها: «حاولنا لكن للأسف، قتلهم هذا» ونشير
إلى صورتك، وعندئذٍ ستشعر بالعذاب يتضاعف، ستصرخ سائلاً: مَن زوَّد الشعلة؟ سيجيبك
الملائكة: إنهم الصغار عرفوك، وبدؤوا في الدعاء.

أرأيت يا سيادة الرئيس كيف
يكون الملك لله؟ كيف يُعز مَن يشاء ويُذل من يشاء؟ كيف يموت الحمار في قريتنا
فنحزن لأجله، وكيف تموت أنت، فلا نعاملك معاملة الحمار؟ 

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة