مرآة العالم

الشعر العربي وكورونا: جدل أيام العزلة

من المعروف أن الشعر مرآة عاكسة لكل شيء في الحياة، من العوالم السرية في باطن الإنسان إلى الكوارث الكبرى، ومنها انتشار وباء كورونا على مستوى عالمي غير مسبوق منذ أسابيع، وهو ما انعكس بشكل عفوي في المدونة الشعرية التي باتت تحملها إلى القارئ منصات التواصل الاجتماعي قبل أي محمل آخر.

 

“عربي 21” تحدّثت مع عدد من الشعراء العرب عن هذا الانعكاس المباشر، أو بالأحرى الحيني، لحدث من أحداث العالم في القصيدة، هل هو أمر إيجابي يعبّر عن حيوية الشعر؟ أم على العكس ينبغي تلافي ذلك كي لا يسقط الشعر في المناسباتية التي هجرها في تعريفاتها الحداثية.

الشاعر المغربي صلاح بوسريف: الكتابةُ لكن بشروط جمالية

الشعر، قابل للحضور في أوقات الجوائح والأزمات، وهو غير الرواية، لكن المشكلة ليست في أن نكتب الشعر في مثل هذه الظروف، بل أن نحرص على كتابة الشعر بشروطنا، أعني، في سياق الشرط الفني والجمالي الذي هو اختيارنا، وهو أفق الرؤيا الشعرية التي يتأسس عليها مشروعنا الشعري، تفاديا للانفعالات المبتذلة، التي تبتذل الشعر، كما تبتذل الكتابة، عموما.

 

اقرأ أيضا : ناظم حكمت كما قرأتُهُ شاعرًا ورافضًا

يعود بي هذا إلى ما كان كتب من “شعر”، مع اشتعال ما سمي بانتفاضة “أطفال الحجارة”. كل ما كتب، أو أغلب ما كتب في تلك الفترة، ونشر في المجلات والجرائد، وحتى في دواوين، لم تكن له قيمة، مطلقا، قياسا بحجم الحدث.

 

الحدث كان أكبر مما كتب عنه. وهذا ما عشناه فيما سمي بـ “الربيع العربي”. ما النص الشعري أو الديوان الذي استطاع أن يكون إضافة للشعر من خلال الحدث!؟

في العادة، ما يحدث من مسافة عن الحدث، هو ما يجعل الرؤية تتضح أكثر، ويكون لها أثر على الشاعر. وحين أقول الشاعر، أعني الشاعر بالفعل، لا الشاعر بالقوة. 

قد يكتب الشاعر في سياق الحدث وهو فيه، لكن، بما يمكن أن يكشف عن الأفق الشعري للشاعر، لا أن يظهر ما كتبه “ربع شعر”، بتعبير القدماء، حين كانوا يسخرون من شاعر ما، أو لا يعتبرونه شاعرا حقيقيا، فيصفون بهذه الصفة.

الشعر يحتاج إلى أن نضيف إليه، أو أن نحافظ على مستوى معيّن من الشعرية، مهما كانت حدة ومأساوية الحدث.

 

وحتى حين نكتب في سياق الحدث، علينا أن نجعله حدثا في قلب الحدث، لا أن نجعل الحدث يطغى عليه، ويجعله تابعا له.


الشاعرة التونسية فتحية الهاشمي: ورقة توت سقطت عن كذبة الحداثة

من كوة مضيئة، مجرّد كوّة لا غير، يطلّ المبدع الإنساني عامّة والمبدع العربي خاصّة على المستقبل الغامض والمجهول والراقص على كفّ الأوبئة والكوارث والجوائح القادمة على عجل على إنسان هذا القرن. الكتابة والشّعر والرّسم زمن القلق والخوف والتّرقّب، اللّحظة التي يعيشها المبدع أكبر من اللّغة وأعمق من الشّعر والنّثر معا. 

اللّحظة الآن هي لحظة الجيش الأبيض والعلم والمعرفة مهما بلغت قوّة اللّغة لن تصل عمق الاهتزاز الذي أصاب إنسان القرن الحادي والعشرين وهذا الإسهال الفايسبوكيّ تأتي تعابيره عاكسة لما يعيشه الشاعر خاصّة والمبدع عامّة من اضطراب نفسيّ وخوف من الموت والنّهاية، النّهاية المفزعة لعالم ادّعت قواه العظمى أو التي ظنّت أنها في لحظة عنجهيّة أنّها عظمى هي الآن تقف عاجزة أمام فيروس لا نعلم هل هي من ابتكرته وخرج عن سيطرتها مثلما يحدث في أفلام الرّعب، أم هو إعجاز إلهيّ كي يعيد التوازن لأمّنا الأرض التي أنهكها ابنها العاق بالحروب والظلم؟ 

فماذا تقدر هذه الكتابات الباكية والمتشائمة جدّا حينا، والمستهترة والمستخفّة بقوّة وفداحة اللحظة في أحايين أخرى؟ الشاعر والفنّان التشكيلي والرّاقص والّناقد والرّوائيّ أيضا – وأظنّ أن النصوص الرّوائيّة القادمة هي التي ستنجح إلى حدّ ما أو أكثر في تناول ما يحدث الآن – يعملون على نقل مظاهر الموت والقلق والخوف مما سيحدث ويحدث ولكن كذلك في صنع الأمل وخلق اللّحظة المثلى والخارقة للهنا والآن.

يمكن القول إن ما يُكتب الآن وما ينجز سيغربله التاريخ القادم على قلق هو أيضا وستقيّمه أقلام النقاد الجدد وما سيبقى من تخليد لعزلة اجباريّة فرضها الراهن على شاعر وكاتب هذا القرن، ربما هذا سيغيّر نظرته لما يحدث وسيسلّط الضّوء على أهمّ القضايا الانسانيّة وأهمها القضية الفلسطينية، فلسطين التي عاشت وتعيش عزلة إجباريّة هي أيضا ولا ننسى سوريا والعراق وغيرها…

مهمة الشاعر الآن – لأّنه ضمير الانسان – أن ينقل بدقّة وجودة أيضا جزئيات الكورونا البسيطة والمعقّدة وهذا طبعا يعود لمقدرة كل شاعر وكاتب على حدة فمن أبدع فيما مضى من كتاباته سيبدع الآن في نقل كلّ ما يعيشه العالم في انتظار الفرج وهو سيأتي حتما وستتعافى أمنا الأرض والهواء والبحر فقد وصلت عنجهيّة انسان هذا القرن إلى أقصاها وكان لابد من رجّة قويّة وجائحة مميتة مثل الكورونا كي يقف الانسان في مفترق الحضارات ويراجع حساباته كي يعرف ما ينتظره وأمّه الأرض:
سيصير الّنهر مهرجانا للرعاة والحداة يقطعون وجه الأرض
والأيائل مثل الأغنيات الحزينة
تلوّن صوتنا
هل هذه الأرض هي حقّا أمّنا؟
كم صرت عاقّا يا فتى الأيّام القادمات
والأرض تفتح جرحها للندى 
وتغنّي سأصير يوما أمّكم
فمتى

الشاعر الجزائري خالد بن صالح: الابتعاد وقتياً عن الصفة الأدبية

لو كنتُ في موضعٍ آخر لكانَ من حقّي الاستغرابُ مِمَّن يُفكِّر في تأثير وباء عالمي يفتكُ بالبشرية اليوم، على الشعر العربي! وليذهب الشعراء إلى أقربِ جحيمٍ، طالما أنَّ قصيدةً، أو نصًّا لا يستطيعُ توفير جهاز تنفُّس واحدٍ، أو يمنح ذلك الذي استوطنَ الفيروسُ اللَّعينُ في رئتيه، جرعةَ هواءٍ نقية. الشاعرُ الحقيقيُّ في هذه الأيام الحرجة، عليه أن يكون إنسانًا قبل كلِّ شيء، وبدل أن يُفكِّر في قصيدة سيكون عنوانها المبتذَل: الحب في زمن الـكورونا، أو يشتكي من آثار العزلة وعقاب الطبيعة على طريقةِ تُجّار الدينَ الذين خرسوا الآن؛ أن يجدَ عملًا اجتماعيًا أو مبادرة فنيّة يساهمُ من خلالها في مساعدة نزلاء المستشفيات، أو المحجورين في بيوتهم، وتنعدم لديهم أسبابُ الحياة.

قد تبدو مزحةً، أن يستعملَ الشاعرُ خياله الشعري لصياغة أشكالٍ جديدة للمُقاومة، تحثُّ المبدعينَ على المُبادرة، كلٌّ بطريقته، لوضع حدٍّ لانتشار الوباء، وتشجيع النّاس على البقاء في البيوت، وخلقِ ما يحفزُّهم على ذلك. دون نسيانِ اختلافِ الظُّروف واحتياجاتِ الطَّبقاتِ الاجتماعية الهشّة.

 

هذا ما أراه أقربَ وأهمّ، ممَّا يُطالعنا وبشكلٍ شبه يومي من أغلفةٍ لكتب تحملُ اسم كورونا، بتنويعاتٍ تبعث على الاشمئزاز، وعلى التساؤل: متى كُتبَ هذا العمل؟ وهل سيطبعُ بالسرعة نفسها؟ أو من نصوصٍ تُكتبُ تحت الطلب، كما لو أنَّها إلهامُ اللَّحظة الأخيرة، قبل انسدالِ ستار الكوميديا الإنسانية.

لا شكَّ أنَّ الأمراض والأوبئة، هي موضوعٌ للتَّساؤل، تطرَّق إليه الفلاسفة منذُ القِدَم، خصوصًا في تموضعِ الإنسانِ خلالَ صراعه مع الطبيعة، وما التحليلات الآنية لانعكاس وباء كورونا على شعوب العالم وخريطة العلاقات الدولية سياسيًا واقتصاديًا وبين الشعوب؛ إلَّا لأهل الاختصاص، بالنَّظر للتَّسارع الرهيبِ للمعلومات وتضاربها واختلافها فيما يُسمى الصراع العالمي للخروج من هذه الأزمة، وبأقل التكاليف.

ولأنَّ الكتابة، كما أراها أنا، هي تأجيلٌ مستمرٌّ للموت، كحدٍّ فلسفيٍّ تفرضه ظروف انتشار الوباء، فإنَّ الشِّعر الذي يكتبُ حاليًا مدعاة للشكّ، والأمرُ، على الأقلّ بالنسبة لي، آجلٌ إلى حين.

 

وما نحنُ بحاجةٍ إليه أكثر، هو كتابةُ يوميات، معايشة للحدث، مقالات ونصوص تعيدُ تركيبَ حياة الفرد، من زوايا متنوّعة، حول الحَجْر والعزلة والعائلة والقراءة والنوافذ والشرفات والتصفيق اليومي للطواقم الطبية وأعوان النظافة، وسبل الإنسان للتمسّك بالحياة رغم كلِّ المخاطر، ورغم فداحة الذي يحدث.

الشاعر عليه أن يبتعد عن صفتهِ الأدبية قليلًا، ويتبنَّى شاعرية من نوعٍ آخر تؤكد إنسانيته، خارجَ نرجسيته الُمخجلة، والتي كثيراً ما تُفقده ملامحه، بل وتجعلها بشعةً، حين يتأمَّل كما نرسيس وجهه في بركةِ القيم الضحلة.

الشاعرة السورية لينا شدود:  هذا الوباء ــ اللغز
السمة التي تميز وقتنا الحالي هي حالة من الشلل الهستيري لكائنات أمست رغماً عنها معزولة وحبيسة ذعر لا مفر منه على المدى القريب.

أحسب أن الشعر الآن في حالة ترقّب، وجلّ مشاريعه مؤجّلة، كون فجاجة الحاضر لم تترك فسحة لأي شيء، بل على الشعر كغيره من مهارات وإبداعات أن يقرّ ويعترف بجبروت وحذاقة الطبيعة.

كل الصراعات والمشاريع السياسية والاجتماعية والفكرية قد انهزمت أمام هول ما يحدث من جراء هذا الوباء ــ اللغز، فالعيون شاخصة تراقب المنحنى التصاعدي للمصابين بهذا الوباء، وبانتظار الوصول إلى الذروة وما سيليها من الهبوط المُنجّي المنتظّر، ولو أنه لغاية الآن لا يمكن التنبؤ بما يخطط له هذا الفيروس النشط المدعّم بكل أسباب البقاء والتجدّد.

ليس بمقدور الشعر أن يتجاهل نظرات الهلع والذعر من الآخر، ولا الأيدي المشلولة والوجوه المكمّمة التي لم تعد تصلح لشيء سوى هذا الهلع المهين.

صعب على الشعر أن يُدرك مدى هشاشة الإنسان وعجزه، وبالتالي عجز الكلمات وعدم جدواها  في رأب ما أصاب العالم من وهن وصدمة على الأقل في وقتنا الحالي.

 

اقرأ أيضا : “هيا لنشتر شاعرًا”.. الأديب في دور البطل المخلّص

كثر رحلوا دون أن يحظوا بنظرة وداع من أحبائهم، وهذا ما لا طاقة للشعر بتحمّله.
الأكيد أن الأدب الآن بلا حول ولا قوة أمام هذه الكائنات المذعورة والممسوسة بغريزة البقاء التي تسيّدت الغرائز كلّها.

اعتادت دول العالم في النزاعات والكوارث على الاستنفار وإطلاق مبادرات إنسانية لتقديم المساعدات المادية والمعنوية لمن يحتاجها، وفي المآسي المحلية كان الناس يبادرون طواعية بتقديم العون غير المحدود، إلا مع هذا الوباء المتجدد، فالأمر هنا على النقيض تماماً، فليس عليك سوى أن تدخل إلى قوقعتك الخاصة جداً، ويُفضّل لو تنتحي ركنا قصيّاً في منزلك متجنباً مَن حولك، متحولاً رغماً عنك إلى كائن مذعور وغريب عنك أنت أيضاً.

هذا الوقت الحرج يوصي بالتباعد الاجتماعي اللإنساني المعادي للشعر والألفة بين البشر، وعزلهم في هلام لا قوام له يستحوذ على العقل والعاطفة.

لا شك أن تاريخ الأوبئة قد رفد الأدب والتاريخ بأعمال خلّدت ما خبرته البشرية من تجارب وأحداث. ولكن الأكيد أنه من الصعب على أي كاتب السيطرة على أدواته وانفعالاته في تلك الأوقات المربكة من حجر وتباعد إنساني.

الكل سيكون بلا شك بحاجة إلى وقت لاستعادة الثقة بجدوى الكتابة والاستعانة بما ستجود به محرّكات البحث للإحاطة المعرفية بخصائص خصوم الإنسانية من أوبئة وكوارث، التي تعمل على ما يبدو حثيثاً لإعادة برمجة الإنسان الجديد غير المتيقن مما يدور من حوله.  

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة