مرآة العالم

شعراء “نهضة هارلم”… أنا أيضا أمريكا

بانتهاء الحرب الأهلية الأمريكية سنة 1865، تحرّر الأمريكيون الأفارقة من عذاب العبودية، أو هكذا بدا لهم، لكن الحرية كانت أصعب منالا وأفدح ثمنا مما تخيّلوا.

بدأ الأمريكيون من أصول أفريقية يطالبون بحقوقهم المدنية، وانتُخِب منهم أعضاء في الكونجرس في سبعينيات القرن التاسع عشر، لكن الفرحة لم تكتمل.

 

انتزع البيض السلطة في الجنوب الأمريكي، وهو موطن العبودية الأساسي، وشرعوا القوانين القامعة للسود، كما مورس نوع من العنف المنظم ضدهم، فقُتلوا وأُحرِقَت بيوتهم وهُجّروا قسرا. أيضا أُجبِروا على العمل بلا أجر، في ظروف غير آدمية.

بالإضافة إلى ذلك، تداعى الاقتصاد الزراعي الأمريكي في الجنوب منذ أواخر القرن التاسع عشر، مما أدّى إلى موجات من هجرة الأمريكيين الأفارقة إلى الولايات الشمالية وولايات الغرب الأوسط.

 

ومن نسل هؤلاء الكادحين، نهض جيل من الفنانين والأدباء الذين أسسوا ما عُرِف في تاريخ الفن الحديث بنهضة هارلم.

 

ففي بدايات القرن العشرين، استطاع أبناء الطبقة المتوسطة من الأفارقة أن يبدأوا نوعا من “مراكمة” رأس المال الذي ادخروه بكدحهم المتواصل، اشتروا بعض العقارات، وصارت هارلم حيا لهم، بولاية نيويورك.

 

في الحرب العالمية الأولى، قاتل الجنود السود في وحدات منفصلة عن زملائهم البيض. مع أنهم جميعا ذاهبون إلى الموت، لكنّ البشر، لغرابتهم، لم يتوقفوا عن التفرقة العنصرية. ولأن التفرقة العنصرية كانت راسخة في عمق المجتمع الأمريكي، فقد اندلعت مظاهرات قوية سنة 1919، وواصل السود انتفاضاتهم من أجل تحقيق المساواة، وساهموا في تشكيل الحركة المدنية التي طالبت بحقوق الإنسان فيما بعد الحرب العالمية الثانية، لكن تلك قصة طويلة أخرى.

هكذا نشأت “نهضة هارلم” في عشرينيات القرن الماضي، تنوّعت تجلّياتها بين الشعر والمسرح والرواية والموسيقى.

 

اقرأ أيضا : السود في أمريكا.. هذه أبرز الأفلام التي تناولت العنصرية ضدهم

 

عُرِفت أيضا باسم “الحركة الزنجية الجديدة”، وكانت نهضة شاملة أجّجتْها معاناة السود في أمريكا منذ الرق حتى الهجرات الكبيرة إلى الشمال ومكابدة العنصرية في كل مكان.

 

استطاعت تلك النهضة بزخمها الإبداعي، أن تقدّم إبداع السود هناك، وتنتزع اعترافا عالميا بحقهم في التعبير الإبداعي عن رؤيتهم للحياة وتمردهم على الظلم. بعد أن كان يُنظَر إليهم على أنهم فلاحون وعمّال غير متعلّمين، صار العالم يراهم ناسا متحضّرين لهم نصيب من الإبداع.

كان فخرهم بانتمائهم العِرقي، بدلا من كونه عارا، مدخلا لقبول طرحهم الفني الذي تحدّى القوالب النمطية السائدة في مجالات الإبداع المختلفة. تناولوا تجربة العبودية وآثارها المدمرة، وتحدوا العنصرية والظلم الواقع عليهم منذ مئات السنين.

بدأ شعراء نهضة هارلم نشر قصائدهم في المجلات، قبل أن تنشر دور النشر دواوينهم ورواياتهم، وانطلقت قصائد وروايات لانجستون هيوز وكاونتي كالين وكلود مكاي وليلا لارسن، وامتد إبداع نهضة هارلم إلى شتى مستويات الإبداع من مسرح وموسيقى، وامتد إلى إلهام الحركة المدنية للسود في أمريكا كلها. 

يمكننا أن نقارن ببساطة ما كتبته الشاعرة السنغالية فيليس ويتلي، التي انتزعت من أسرتها في السنغال، وبيعت في أمريكا كأَمَة وماتت سنة 1785، وبين إبداع شعراء نهضة هارلم، حتى نستوعب كيف تغير الزمن وكم تطور وعي السود في أمريكا.

 

ويتلي تكتب قصائد مفعمة بالإيمان المسيحي الوادع، الذي يحاول أن يرى في محنة خطفها وبيعها كأَمَةٍ عن معنى إيماني متسام على الألم، معنى خاضع لإرادة الله دون التفكير في أن ما حدث لها جريمة اقترفها البشر. تقول ويتلي:

 

“برحمة من الله جيء بي من أرضي الوثنية.
وتعلمت روحي الجاهلة ففهمت
أن هنالك ربا”.
الشاعرة هنا تصور استعبادها كأنه منحة لأنه عرفها بالمسيحية. تقول أيضا متوسّلة للبيض هناك:
“تذكروا أيها المسيحيون أن الزنوج السود سواد قابيل
قد يتطهّرون
ويلحقون بالركب الملائكي”.


نستطيع ببساطة أن نقارن ذلك بإبداعات شعراء هارلم لنعاين كيف افتخروا بماضيهم الأفريقي، المفعم بروح الطبيعة، الشامل لأحلام البشر في الشرق كله. يقول لانجستون هيوز في قصيدته “الزنجي يتحدث عن الأنهار”، التي اعتُبِرت من القصائد المؤسّسة لنهضة هارلم:


بنيتُ كوخي قرب نهر الكونغو وهدهدني إلى أن نمتُ،
أطللت على النيل وبنيت الأهرام فوقه.
سمعت غناء المسيسيبي
ورأيت صدره الموحل يكسوه ذهب الغروب.
…. وصارت روحي عميقة مثل الأنهار”.
 يقول أيضا في قصيدته “أنا أيضا”، بروح وثابة واثقة:
“غدا حين يأتي الرفاق
سأجلس على المائدة.
ولن يجرؤ أحد حينئذ
أن يقول لي
“كل في المطبخ”
بل سيرون كم أنا جميل
فيشعرون بالخزي…
أنا أيضا أمريكا”.

 
ليس صعبا أن نلاحظ هذا الفرق بين تمتمة ويتلي المثقلة بالألم، الباحثة عن أي عزاء ولو بالإيمان أن معاناتها تلك تحمل لها بعض الخير… وبين صيحة هيوز المدهشة، الموجزة: “أنا أيضا أمريكا”.

إنني أعترف أنني تذكّرتُ أثناء قراءة قصائد شعراء هارلم، بعض الهتافات التي رددها المتظاهرون في أمريكا خلال الأيام الماضية.

 

يدهشني ما يحمله الأمريكيون الملونون والسود خاصة من تاريخ مثقل بالظلم والقهر وإصرار عارم على تحدي ذلك التاريخ البغيض، كأن نضالهم المستمر في سبيل حقوقهم الإنسانية البسيطة قدرٌ مكتوبٌ عليهم.

لا بد من الاعتراف أن أوضاعهم الآن أفضل بما لا يُقاس بأيام هارلم، لكننا نتساءل: لماذا بعد هذه التضحيات الهائلة كلها وهذا النضال السياسي الطويل الشاق… لماذا على المواطن الأمريكي الأسود أن يواجه الموت ملقى على الأرض، عنقُهُ تحت ركبة شرطي أبيض يقتله على مهل، لمجرد أنّ بشرته سوداء؟

يقول كلود مكاي، أحد رموز نهضة هارلم الشعرية في قصيدة “إذا كان لا بد من موتنا”:

“إذا كان لا بد من موتنا
فلا يكن مثل موت الخنازير
تُصاد وتُحبس في بقعة وضيعة
فيما تنبح حولنا الكلاب النهمة المسعورة
هازئةً بحظنا الملعون.
… فلنستبسِل وإن فاقنا أعداؤنا عددا
نردّ على ضرباتهم العديدة بضربة قاضية
فما الذي أمامنا سوى قبور فاغرة أفواهها؟
سنواجه عصابة القتلة الجبناء مواجهة الرجال
…. وحتى إذا متنا،
سنكون قد دافعنا عن أنفسنا بشرف”.

 
إنني أسمع هذه الكلمات وأشعر بتلك المعاني في هتافات المحتجين الغاضبين من قتل فلويد.
لعلنا نلاحظ في كثير من قصائد نهضة هارلم تواري المجاز الشعري، والتعبير العاري، المباشر، كأنما يشعر هؤلاء الشعراء أن المجاز ترف، في مواجهة آلة الموت العبثية، وكأنما يحتجّون على غياب بدهيات الحياة الآدمية بالتقليل من مستوى المجاز الشعري، انحيازا للغضب الجارف والتوعد الحاد.

هذه حياة لا تستحق زينة المجاز الشعري. يقول راي دوريم في قصيدة “أعرف أني لست غامضا”:

“يفلت مني المجاز.
ولا أجد هذه الكلمات اللطيفة الفاتنة
لألبسها للمذبحة.
… تعالوا أيها الشعراء
الشاحبون الباهتون الحالمون اللطفاء،
ها هي امرأة سوداء (تطفح الدم)
في مطبخ رجل أبيض
لأجل قليل من المال ولا مجد.
كيف أحكي تلك الحكاية؟
وولد أسود جعله الموت أشد سوادا،
وجهه مدفون في وحل كوريا البارد،
تعالوا بموسيقاكم الراقصة السريعة الجياشة
بيّنوا له لماذا لم يعد حيا”.

**المقاطع الشعرية المقتبسة من ترجمة أحمد شافعي لكتاب “وجه أمريكا الأسود.. وجه أمريكا الجميل”، وهو مختارات من الشعر الأفريقي الأمريكي.

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة