أخبار متفرقة

تدعم السلام في العلن وتُشعل الحرب في السرّ.. كيف تُحبط فرنسا عملية السلام في ليبيا؟

انفتحت زوايا جديدة لمحادثات السلام الليبية مع انهيار هجوم الجنرال الليبي خليفة حفتر على  العاصمة طرابلس، إلى جانب الهيمنة التركية الناشئة في البلاد بعد دعمها لحكومة الوفاق الوطني.

ومع ذلك، تتبنى فرنسا نهجاً فردياً لإقصاء منافسيها وتثبيت نفسها للاضطلاع بدور وسيط القوة المهيمن في ليبيا، إذ تسعى فرنسا حالياً لتقويض دور تركيا، متجاهلة الحاجة الملحة للوحدة الدولية من أجل حل الصراع الليبي.

انسحبت فرنسا من العمليات البحرية لحلف شمال الأطلسي على طول شرق البحر الأبيض المتوسط ​​هذا الشهر يوليو/تموز، الأمر الذي يسلط المزيد من الضوء على عدائها المتصاعد لتركيا التي تعرقل بفعالية مصالح باريس الإقليمية الجيوسياسية.

من جهة، قدّمت فرنسا نفسها باعتبارها طرفاً دبلوماسياً محايداً في ليبيا، ودعت مُجدَّداً جميع الأطراف الفاعلة الليبية للعودة إلى طاولة المفاوضات في بيان مشترك أصدرته مؤخراً مع إيطاليا وألمانيا. أثناء قمة باريس 2018 التي عقدت بهدف التوصل إلى حل سياسي، كانت هناك مخاوف من الليبيين ومسؤولين آخرين من أنَّ فرنسا تحاول إلغاء جهود الأمم المتحدة وتوجّه مسار محادثات السلام نحو مصالحها الخاصة. ذكرت مجموعة الأزمات الدولية في بيان أنَّ “عدداً من الليبيين الآخرين وُجّهت إليهم الدعوة للحضور على هامش القمة لكن لم يُطلب منهم التوقيع على الاتفاقية”، وهذا يشير إلى أنَّ باريس كانت تحاول اختيار الممثلين المفضلين بالنسبة لها واستبعاد آخرين لا يتوافقون معها في الرؤى.

تنامت رغبة باريس في تثبيت وإبراز نفسها كقوة خارجية خلال العقد الماضي. يقول محللون إنَّ أحد دوافع الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، لدعم الانتفاضة الليبية عام 2011 ضد معمر القذافي كان لاستعادة مكانة فرنسا كقوة عسكرية أوروبية مهيمنة.

سعت فرنسا لتحقيق مصالحها الاقتصادية والأمنية بعد انزلاق ليبيا في وقتٍ لاحق إلى الفوضى وعدم الاستقرار. بدأت في التودّد إلى الجنرال حفتر بعد أنَّ رأت في هذا القائد العسكري الطموح شريكاً رئيسياً لضمان الاستقرار في مواجهة التطرف وتأمين المصالح الاقتصادية لفرنسا، مثل عمليات التنقيب وإنتاج النفط التابعة لشركة “توتال” الفرنسية.

وقد أفادت صحيفة “Le Monde” الفرنسية بأنَّ باريس دعمت حفتر بالمعدات العسكرية والتدريب. فقد شوهدت الصواريخ الفرنسية بين أيادي قوات حفتر خلال الهجوم الذي شنَّه على طرابلس في أبريل/نيسان 2019. في السياق ذاته، كشف موقع “Middle East Eye” البريطاني أيضاً أنَّ ثمة مقاتلين مسلحين يحملون جوازات سفر فرنسية عبروا الحدود الليبية العام الماضي لتوفير الدعم اللوجيستي لحفتر.

التنافس مع تركيا

على عكس بعض داعمي حفتر الآخرين، مثل مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة، انخرطت فرنسا مع حكومة الوفاق الوطني ورئيس الوزراء فايز السراج. ومع ذلك، كانت علاقاتها السرية بالجنرال حفتر تتعارض مع دعمها المعلن لمبادرات السلام، من بينها مؤتمر برلين في يناير/كانون الثاني الذي كان يهدف إلى تحقيق وقف إطلاق النار وتطبيق حظر على الأسلحة. لكن يرفض حفتر نفسه مثل هذه المبادرات ويسعى إلى السيطرة على كامل ليبيا بالقوة.

أدَّى تدخل تركيا منذ بداية العام الجاري لدعم حكومة الوفاق الوطني إلى تبديد رؤية فرنسا في ليبيا، بعدما وقّعت أنقرة وحكومة الوفاق الوطني اتفاقية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي تمنح تركيا حق التنقيب عن النفط قبالة شواطئ ليبيا، وهو ما يُهدّد مصالح فرنسا في شرق البحر الأبيض المتوسط. لتعرب فرنسا عن إحباطها فيما يخص جهود تركيا وتندلع توترات بين الدولتين. اعترضت البحرية الفرنسية سفينة تركية كانت تحمل شحنات أسلحة إلى حكومة الوفاق الوطني في مارس/آذار، في حين وصفت السفارة الفرنسية في اليونان اتفاقية التنقيب عن النقط بين حكومة الوفاق وتركيا بأنَّها “باطلة”.

نجحت تركيا في التفوّق على فرنسا باعتبارها ممثلاً خارجياً له سلطة حقيقية في البلاد، مما أدّى إلى نسف استراتيجية فرنسا. ليوجَّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انتقادات متكررة لسياسات أنقرة في ليبيا، قائلاً الشهر الماضي: “أعتقد أنَّ ثمة مسؤولية تاريخية وإجرامية تتحمّلها دولة تدعي أنّها عضو في حلف الناتو”.

زعم ماكرون قبل ذلك بأسبوع أنَّ تركيا تمارس “لعبة خطيرة” تتعارض مع جميع تعهداتها في مؤتمر برلين، متهماً إياها بأنَّها تتّبع نهجاً “عدوانياً للغاية”.

 معايير مزدوجة

كلّما زاد نجاح أنقرة ونفوذها في ليبيا، أصبحت انتقادات ماكرون أكثر قسوة وحدة. لكن بينما تلقي فرنسا باللوم على تركيا في انتهاك الحظر الأممي المفروض على إرسال الأسلحة إلى ليبيا، فإنَّها لم تتحدث عن الدعم غير القانوني الذي قدمته دولة الإمارات أو مصر لهجوم حفتر، وهو ما يكشف ازدواج المعايير واعتماد فرنسا سياسة الكيل بمكيالين. دعم ماكرون أيضاً مبادرة السلام المصرية الشهر الماضي، مشيراً إلى انحياز بلاده إلى جانب مصر ضد تركيا.

ثمة مزاعم أنَّ طائرات “رافال” الفرنسية الصنع قصفت القوات التركية في قاعدة “الوطية” الجوية الاستراتيجية بالقرب من طرابلس في وقتٍ سابق من الشهر الجاري، وهو موقع عسكري كانت حكومة الوفاق الوطني قد استعادت السيطرة عليه في مايو/أيَّار. أدَّى ذلك إلى تكهنات باحتمالية تورط باريس، لكن فرنسا كانت قد باعت هذا الطراز من الطائرات لمصر أيضاً.

بغض النظر عن هوية الفاعل الحقيقي، ترمز تلك الواقعة إلى التحالفات الاستقطابية التي تعيق عملية السلام في ليبيا. بات واضحاً أنَّ فرنسا تعطي الأولوية لوقف تقدّم تركيا على حساب الضغط من أجل تحقيق السلام، وذلك بانحيازها إلى صف الدول التي تشعل الحرب في ليبيا.

ستحاول فرنسا الآن البحث عن نهج جديد بعد فشل حملة حفتر على طرابلس، لاسيما بعد أن أشار ماكرون مؤخراً إلى أنَّ حفتر بات عبئاً على فرنسا. ليبدو أنَّ باريس تركز جهودها حالياً على مواجهة تركيا وتشويه سمعتها. كان وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، قد حذَّر في 1 يوليو/تموز من أنَّ باريس قد تدعم فرض عقوبات على تركيا. في المقابل، قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إنَّ تركيا سترد بقوة في حال فُرضت عقوبات ضدها.

تقويض مساعي السلام

لا يقتصر دور فرنسا في ليبيا على إبقاء تركيا بعيدة عن دائرة الأحداث والتأثير. في العام الماضي، منعت فرنسا تنديد الاتحاد الأوروبي بحفتر، وأيدته سابقاً ضد دعم إيطاليا لحكومة الوفاق الوطني، في إشارة إلى خصومتها مع روما. وقد أسهم كل هذا في جعل الاتحاد الأوروبي طرفاً رئيسياً في ليبيا، حتى قبل هجوم حفتر الأخير وتدخّل تركيا في الحرب.

كذلك أحجمت فرنسا بشكلٍ كبير عن انتقاد دور روسيا، نظراً لدعمهما المشترك لحفتر وليكون عنصر توازن ضد تركيا. ويُظهر هذا دور باريس في تقويض حلف شمال الأطلسي، بالرغم من انتقاداتها لتركيا على فعل الشيء نفسه. وقد أشار ينس ستولتنبرغ، الأمين العام للحلف، في مايو/أيار الماضي، إلى أن الحلف مستعد لدعم حكومة الوفاق الوطني، غير أن فرنسا لن تدعم أي مبادرة تُعطي شرعية لنجاح تركيا.

وحتى إن كانت فرنسا لا تفضل دور روسيا، فقد ضمنت مجهوداتها في تقسيم أوروبا منح الحرية لموسكو في التوسع داخل ليبيا وأن تصبح قوة وساطة مهيمنة، جنباً إلى جنب مع تركيا. 

ومع أن فرنسا قدمت نفسها بوصفها طرفاً موثوقاً ودبلوماسياً في ليبيا، تدل أفعالها على أنها كانت مصدراً للمتاعب. وبالإضافة إلى ذلك، تستفيد باريس من الغياب العام وتجاهل الولايات المتحدة للاضطراب السياسي في ليبيا.

فإذا أعطت فرنسا الأولوية لمبادرات السلام الجماعية بدلاً من أهدافها المستقلة، يمكن أن يزيد هذا من فرص التوصل إلى حل للنزاع.

– هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني.

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة