مرآة البلد

في ذكرى مجزرة حماة..ويرتجف التراب على إيقاع الشعب وهو ينهض من سباته العميق

ومن يتجرأ في هذه الأيام التي تعج سماؤها بالطائرات بكافة طرازاتها وأرضها المزروعة بعناصر وضباط الجيش والأمن وأصوات الراجمات وقذائف من شتى الأصناف أن يقصد تلك القلعة العتيقة الشامخة على مرتفع تلة في مدينة الشعراء حماة فإن حالفك الحظ ونفدت بريشك سالماً – كما يقول الحموي – وصوبت سهام عينيك متأملاً بيوت المدينة ونسيجها التاريخي لا بد أن تخطف عينيك كثرة الفراغات وندرة في العمران أو المهدم بأجزاء وأجزاء وحتماً سيشدك اللون الوحيد المشبع بالسواد وكأني بها تحكي للناظر حكايات الوجع التي عاشتها المدينة منذ الثمانينيات .

تلك الفراغات الأليمة لم تكن موجودة لولا فعل حاقد متعمد فقد كانت حارات قديمة وبيوت عامرة تحكي تاريخ المدينة وتعانق عاصيها الجميل وبين ليلة وضحاها لم تعد موجودة حيث يتوه الزائر لحماة في تلك الأحياء الميتة والتي طمست معالمها بكل أنواع الجرافات الأسدية بعيد قصفها بالمدفعية الوحشية والعنف الشديدين فلم يبق لها أثر من تلك القساوة التي عوملت بها مدينة حماة آنذاك.

لا شيء يتشابه حقيقة مع هذه الفراغات إلا اللون الأسود في ذاكرة السوريين جميعاً فقد تم التخلص الأبدي من كل العسكريين والسياسيين وحتى المتعاطفين والمتواجدين صدفة بحكم القدر في مجزرة حماه الأكثر مرارة بحق أهالي المدينة بكل فئاتهم العمرية حيث غدت كارثة حماة الدموية القاعدة الأسدية الصلبة التي غرست الرعب في نفوس جميع أبناء الشعب السوري وقلوب السوريين كانت ترتعش خوفاً لمجرد الهمس بحرف من اسم ذلك الطاغية “حافظ” أو أخيه الأصغر رفعت الأسد وهنا تحضرني كلمات أمي وهي متكئة على الجدار الأسمنتي السميك حين تقول لنا : أولادي هووووس الحيطان لها آذان ولم نكن نعرف تلك الآذان التي خوفونا بها منذ الصغر إلى أن كبرنا .

ولم يشأ قدر الله لمجزرة حماة أن تلج في ذاكرة السوريين فقد كان طريقها مسدوداً وليس غريباً اليوم أن تكون الحاضر الأبرز في ذاكرتنا جميعاً فالجرح عميق يستحيل إخاطته أو حتى وقف نزيفه المتهاطل كنهر جار.

وما أشبه مؤامرة الأمس بمؤامرة اليوم ؟ لولا أن السلطات بقبضتها الأمنية الحديدية وعقليتها العتيقة اعتبرت مجازرها في حماة انتصاراً كبيراً على المؤامرة وأعادت من خلاله الهدوء والسكينة إلى البلاد وغابت لسنوات طويلة عن قلوب الأمهات والآباء الذين فقدوا أولادهم ولم يعرفوا مصيرهم أحياء أم أموات ؟ حتى لم يكن بمقدور أحد أن يحزن أو يتوجع في مصابه الجلل .

من هذا المنطلق لم يكن عجيباً أن تبقى مدينة حماة الوحيدة المحرومة والممنوعة من النقاش السياسي أو الأحاديث التي تختص بالشأن السياسي وكيف يفكرون بتلك الأحاديث وهم غير قادرين على الخوض في معرفة مصير أولادهم المفقودين أو المطالبة بعقاراتهم المحجوزة والمهدمة أو حتى الترجي بعودة المنفيين من أبنائهم .

لقد عمدت سلطة البعث وعلى مدى عقود من الزمن وعبر مجازر حماة الدموية أن تردع الشعب بأكمله وتلقنه درساً لن ينساه طوال حياته وتذكره إن فكر لمجرد التفكير بالتمرد على سلطته وحكمه الأزلية .

ومع انطلاق الشرارة الأولى في الربيع العربي بدأت حواجز الرعب تنهار رويداً رويداً وتهتز جدران السجن السوري وتخرج الصرخات العالية معلنة نهاية سنوات القهر والظلم والإذلال.

لقد تغيرت الظروف اليوم وتغيرت القوى الشبابية المناضلة في الثورة السورية وتبرمجت في ذاكرة الشعب عبر كثيرة تعلمها من قلب الألم غير التي أرادها له النظام الناري وغدت تعكس هوية الوطن ووحدته في حين أن الطغاة لم يغيروا أو يتغيروا أبداً فهم يعملون جاهدين بكل قواهم على استحضار مجازر حماة المأساوية وتصوير أنفسهم دعاة السلام والأمن والهدوء متناسين أن التراب الذي تعطر بدماء الشهداء السوريين منذ الثمانينات وحتى اليوم الحاضر يرتجف على إيقاع الشعب وهو يستفيق من نومه العميق.

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.