أشارت العديد من الأبحاث والدراسات إلى أن معظم الاضطرابات النفسية التي تحدث في مرحلة الطفولة، تؤدي إلى ما هو أكثر ضررا في مرحلتي المراهقة والشباب، ما لم يتم علاجها مبكراً.
وغالبا يعزى سبب مشكلات الطفولة النفسية إلى المحيطين بالطفل، خاصة الأب والأم، لذلك فالتعامل السليم مع الأبناء وتربيتهم ليسا أمراً هيناً، ويتطلبان قدراً من الجهد والصبر والخبرة والدراية.
وحتى نربي أبناءنا تربية جسدية ونفسية وعقلية صحيحة، طرحت دراسة في القاهرة مؤخرا، ست خطوات، ربما يجنب اتباعها الآباء مشكلات كثيرة.
أوضحت الدراسة، التي أعدها “مركز القاهرة للتدخل المبكر” أن الخطوة الأولى لتربية الأبناء بشكل نفسي سليم، هي إظهار الحب لهم، حيث يولد الطفل ولديه حاجات فطرية تتطلب الإشباع، ومنها حاجته إلى الحب.
فالحب بالنسبة إلى الطفل هو العمود الأساسي في بناء الشخصية المتوازنة والسوية، كما أنه القاطرة التي تجر عربات الصحة النفسية، إذ يرسخ لدى الطفل صورة إيجابية وجميلة عن ذاته.
وحينما وضع المختصون تعريفا للصحة النفسية قالوا إنها القدرة على الحب والعمل، ورأوا أن الحب نصف الصحة النفسية، ولكي يتعلّم الأبناء حب الآخرين لا بد أن يتلقوه أولاً، وأول من يتلقى منه الطفل الحب هما الأب والأم، لذلك على الوالدين إظهار حبهما للطفل من خلال الابتسامة، والوجه البشوش والاحتضان والقُبلات واللعب والملاطفة والاهتمام به والاستماع إليه.
أما الخطوة الثانية التي تضمنتها الدراسة، فهي بث الثقة في نفس الطفل، لأنها عامل مهم وضروري للنجاح في الحياة على جميع المستويات، ويتم ذلك عن طريق الأبوين من خلال الإنصات له باهتمام، وتشجيعه على الكلام، وعدم السخرية منه، والبعد عن فرض الأوامر عليه دون إقناع، وتحميله بعض المسؤولية، وعدم مقارنته بغيره، ومراعاة الفروق الفردية، وتوجيه الانتقاد إلى السلوك وليس إلى الطفل نفسه.
إعطاء الأمان للطفل هو الخطوة الثالثة، حيث يحتاج الأبناء منذ ولادتهم إلى الإحساس بالأمان، ولن يحصلوا عليه إلا عن طريق الأبوين، والأمان عامل مهم جداً في نمو الطفل، لأنه إن لم يشعر به لن يتعلم أو يتطور، وسيكون دائما شخصا “مذعورا” وخائفا وعصيّا على التأقلم مع ما حوله.
ويتوفر الأمان، كما أشارت الدراسة، بإعطاء الطفل مساحة من الحرية، وعدم تقييده، والبعد عن العقاب البدني أو التهديد به، والاشتراك معه في حل المشكلات الشخصية.
الخطوة الرابعة، هي العدالة في التعامل مع الأبناء، ما يحقق التوازن في نفوسهم وشخصياتهم عند الكبر، وللوصول إلى العدالة في التعامل مع الأبناء ينبغي وضع نظم وقواعد تُطبق على الجميع، وعدم التفريق بينهم في المعاملة، وتوزيع المهام والأعمال والمكافآت حسب الإمكانيات والقدرات والإنجازات.
تطرقت الدراسة بعد ذلك، كخطوة خامسة، إلى كيفية تطوير قدرات الأبناء، وحتى يتسنى للأهل تحقيق ذلك عليهم رسم أهداف ودوافع للطفل باستمرار، وتعويد الأبناء على النظام، وتشجيعهم على النوم مبكراً وعدم السهر، وحثهم على ممارسة الألعاب والأنشطة الرياضية.
ثم تأتي الخطوة الأهم، وهي أن يكون الأبوان “جيديْن” في نظر الأبناء، ويتحقق ذلك من خلال تحليهما بالصبر إلى أقصى درجة، ومخاطبة العاطفة لدى الأطفال الصغار، والعقل لدى الأبناء الكبار، وتقبل الأفكار الجديدة بشجاعة، وتجنب الضرب أو التحقير.
ومن جانبه قال عبدالحليم محمد، استشاري نفسي بالقاهرة، إن الدراسات والأبحاث السيكولوجية أثبتت أن العقاب البدني له آثار “تدميرية” على سلوك وشخصية الطفل، ولا يحقق النتائج المطلوبة، فالعقاب البدني بهدف تعديل سلوك الطفل وجعله منضبطاً يزيد من عدوانيته، ويدفعه إلى الإتيان برد فعل عكسي دائما، وينتج عن العقاب البدني أيضا تشتيت فكر الطفل، ودفعه إلى التفكير في الألم الذي يعانيه، ويملأ نفسه بالغيظ والغضب من الشخص الذي مارس عليه العقاب، بدلاً من تفكيره في المشكلة التي سببها، وفي الخطأ الذي أحدثه.
وأضاف لـ“العرب”، أن العقاب بكل أشكاله، وتحقير الطفل، من الأساليب الردعية الخاطئة، وأفضل وسيلة هي النقاش والتحاور معه، في ما يخص الخطأ أو الفعل السيء الذي قام به، وفقاً لعمر كل طفل.
ونصح عبدالحليم الأبوين بضرورة تعليم الأبناء مهارات الاستماع، لأنها من المهارات شديدة الأهمية في حياتهم التعليمية والاجتماعية، ومن ثم يجب على كل من الأم والأب تنمية مهارات الاستماع لدى أبنائهما من خلال الألعاب والأنشطة المختلفة، فالطفل إذا لم يستمع جيداً في المدرسة فسيعسر عليه التعلم، وكذلك ستتأثر علاقاته بزملائه، وسيكون من الصعب عليه تكوين صداقات.
ويقدم الاستشاري النفسي وصفة علاج لكل أبوين حتى لا يكونا سببًا في أي مشكلات نفسية لأطفالهما، تتلخص في تذكير الأطفال بلطف بالقواعد التي تم نسيانها، وشرح سبب وضع القواعد إذا كان سن الطفل يسمح بذلك، والاستماع جيدا لما يقوله الأطفال، والتركيز على ما يجب عمله بدلاً من التركيز على ما لا يجب عمله، واتباع اللغة الإيجابية في التعامل مع الطفل، حتى يزيد احتمال استجابته إيجابياً، والاهتمام بالسلوك الحسن الذي أتاه، وتجاهل السلوك السيء، كما أن على الأب والأم التعود على بعض الضوضاء والفوضى في البيت، لأن ذلك جزء من طبيعة الأطفال.