مختارات الصحف

ترجمة خاصة | كيف تغلب تنظيم الدولة على القاعدة في معركة السيطرة على قيادة الجهاد العالمي

تنظيم الدولة، بداية النهاية 

 

أكد المسؤولون الأردنيون في الخامس من شباط الماضي خبر الإفراج عن أبو محمد المقدسي أحد أبرز المنظرين الفكريين لتنظيم القاعدة من السجن. على الرغم من قلة شهرته في الغرب, إلا أن المقدسي أحد أهم المنظرين للفكر الجهادي السلفي في العصر الحديث.
سطع نجم الشيخ الفلسطيني ذو 56 عاما لأول مرة في ثمانينيات القرن الماضي, عندما أصبح أول مفكر إسلامي سلفي يعلن بأن العائلة الحاكمة في السعودية مرتدين عن الإسلام, وبالتالي أصبحت السعودية هدفا مشروعا لهجمات الجهاديين.
تميزت كتابات المقدسي بالتشدد الديني إلى حد أن أسامة بن لادن اعتبرها متشددة جدا.
يعد المقدسي أحد الأصدقاء المقربين للشيخ أيمن الظواهري أمير تنظيم القاعدة, ويحظى بمكانة مرموقة لدى بقية قادة وأمراء فروع القاعدة من شمال أفريقيا حتى اليمن. تقرأ كتبه ومنشوراته بكثرة من قبل جميع المجاهدين في جميع أنحاء العالم الذين يتابعون أقواله بشغف شديد على موقعه الالكتروني المسمى منبر التوحيد والجهاد. كما أشتهر المقدسي بأنه المحرك الأساسي لأبي مصعب الزرقاوي أمير تنظيم القاعدة ومؤوسسها في العراق والتي تحولت فيما بعد إلى تنظيم الدولة.
اجتمع الشيخان (المقدسي والزرقاوي) في سجن واحد في الأردن في تسعينيات القرن الماضي بتهمة الإرهاب. وأطلق سراح الزرقاوي لاحقا في عام 1999. وبعد إقدامه على مبايعة تنظيم القاعدة, أصبح الزرقاوي القائد الأكثر شهرة في العراق ما بعد الحرب. حيث أطلق العنان لأكبر حملة في تاريخ العراق من العمليات الاستشهادية. مما دفع المقدسي لإصدار عدة مقالات منتقدا فيها تصرفات تلميذه الزرقاوي في العراق. 
صب المقدسي الذي يوصف بحسب المحللين الأمريكيين “بالكائن الحي الأكثر تأثيرا في الفكر الجهادي” جام غضبه وانتقاداته في الآونة الأخيرة على تنظيم الدولة. وأصبح في السنة الماضية أقوى النقاد المؤثرين على تنظيم الدولة. فبعد إعلان قائد تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي الخلافة الإسلامية في حزيران الماضي, انبرى البغدادي بإصدار العديد من المنشورات التي تتهم جماعة تنظيم الدولة بالجهل والضلال وبأنهم يخربون مشروع الأمة الإسلامية المنشودة. 
لم تدل الحرب الكلامية التي شنها المقدسي على تنظيم الدولة على انشقاق صف المجاهدين فقط بل أشارت بشكل واضح على بدء تراجع قوة تنظيم القاعدة الذي كان التنظيم الأكثر رعبا في العالم.
لم يتغلب تنظيم الدولة على القاعدة في ساحات الجهاد في العراق وسوريا بل تعدا ذلك إلى منافسة القاعدة على الممولين وفي تجنيد المقاتلين الجدد. صرح العديد من منظري السلفية الجهادية في مقابلات تلفزيونية عدة بأن تنظيم الدولة نجح بالقيام بانقلاب على تنظيم القاعدة لتدميره من الداخل, ويقرون الآن بأن تنظيم القاعدة فكريا وتنظيميا على وشك الانهيار. 
بعد ثلاثة أسابيع من خروجه من السجن زار المقدسي منزل صديقه أبو قتادة وكان غاضبا جدا من تنظيم الدولة وأخبر أبو قتادة بأن قادة تنظيم الدولة قد كذبوا عليه وخانوه, ولا يستحقون أن يطلق عليهم لقب مجاهدين, فهم كعصابة مافيا وليسوا بمجاهدين.
انضم أبو قتادة بعد أن قامت الحكومة البريطانية بترحيله إلى الأردن بعد اتهامه بالتطرف والإرهاب إلى صف المقدسي في مجابهة فكر تنظيم الدولة, وأصبحا معا من أبرز المنظرين الفكريين المناهضين لتنظيم الدولة. ووصفت انتقادات أبو قتادة بأنها شديدة اللهجة. وحاول الشيخان في بداية الأمر العمل على استدراج تنظيم الدولة للعودة تحت مظلة القاعدة. واتبعا أسلوبا مشابها لنظرية الشرطي الطيب والشرطي السيئ. ففي حين كان يتبع المقدسي أسلوب الأب المصاب بخيبة أمل ويوجه النصائح بشكل هادئ كان أبو قتادة يزيد من حدة لهجته في انتقاد وازدراء تنظيم الدولة.
وجه الشيخان قائمة طويلة من الاتهامات لتنظيم الدولة منها شق صفوف المجاهدين ونقض البيعة للظواهري بالإضافة لإعلان الخلافة المزعومة والتي تقتضي من المجاهدين إما البيعة أو مواجهة الموت والاقتتال الداخلي. وصرح الشيخان أنهما أمضيا العام الفائت في مفاوضات خلف الكواليس مع قادة التنظيم بما فيهم البغدادي نفسه محاولين إرجاع التنظيم تحت مظلة القاعدة. ولكن دون جدوى فتنظيم الدولة لا يحترم أحدا على حسب تعبيرهما وأن التنظيم يعمل على ضرب الحركة الجهادية مما سيسبب الضرر للأمة الإسلامية كلها.
وبسبب قلق تنظيم الدولة المتنامي من حدة الانتقادات المستمرة الموجهة من الشيخين (المقدسي وأبو قتادة), عمد تنظيم الدولة لشن حملة إعلامية ضدهما في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لتشويه صورتهما أمام المجاهدين. فقد وصفها أبو محمد العدناني المروج الإعلامي لتنظيم الدولة بأنهما أضحوكة الحكومات الغربية المعادية, وأنهما جزء من المؤامرة العالمية ضد دولة الخلافة. فقد نشرت مجلة دابق الصادرة باللغة الانكليزية في عددها السادس على غلافها صورة الشيخان معنونةً الخبر بـ “شيخا الضلال اللذان يجب تجنبهما أكثر من الشيطان نفسه”
وتظهر السجلات أن المقدسي قد أمضى العقدين الماضيين من عمره في السجون الأردنية. وادعى أنه قد تعرض للتعذيب طوال الفترة التي قضاها في السجن وهذا ما تشتهر به السجون الأردنية. ومن المعتقد أن الحكومة الأردنية قد أطلقت سراحه في شباط الماضي بعد إدراكها خطورة تنظيم الدولة الذي انتشر في مناطق واسعة من البلاد المجاورة مما يجعل المقدسي المعادي لفكر تنظيم الدولة حليفا لها في الكفاح ضد انتشار هذا التنظيم.
وأوضح الشيخان أن القادة والأمراء اليافعين التابعين لتنظيم الدولة يعمدون خلال انتصاراتهم المتتالية إلى التهكم وسب وخيانة المجاهدين القدامى أو ما يسمى بالحرس القديم من المجاهدين. بينما ما يزال تنظيم القاعدة يعتمد في جل قياداته على المجاهدين القدامى الذي التحقوا بالجهاد الأفغاني. مما أدى لتراجع قدرات تنظيم القاعدة في مواجهة تقدم تنظيم الدولة. 
ووصف أبو قتادة تنظيم الدولة “بالرائحة النتنة في البيئة الجهادية” وبتعبير أدق هم “كالورم السرطاني المنتشر في جسد الحركة الجهادية” 
وأضاف أبو قتادة” عمد تنظيم الدولة إلى تجنيد جيل جديد من المجاهدين المسلمين الذين لا يكادون يذكرون تفجيرات الحادي عشر من أيلول” علينا أن لا ننخدع بالمظهر الخارجي للتنظيم “فعندما تذهب إلى أي مطعم وترا الوجبات جاهزة جميلة قد تعجب بها جدا وقد يعجبك مذاقها, ولكنك إذا دخلت المطبخ ورأيت مدى قذارته ستشعر بالاشمئزاز”
وصرح المقدسي ” عمد تنظيم الدولة لسرقة أفكارنا وكتاباتنا حول الفكر الجهادي واستغله في إعطاء نفسه الشرعية الدينية وفي أدلجة حاشيته المحيطة به. كما استخدم هذه الأفكار في تجنيد مقاتلين جدد في تنظيمه وتبرير حربه ضد تنظيم القاعدة”
واتفق الشيخان على أن هذه الأعمال والسرقة الفكرية لم تكن مقبولة عندما كان بن لادن حيا, لم يستخدم أحد كتاباتنا وأفكارنا ضده. فقد كان بن لادن نجما عظيما في العالم الجهادي وكان يمتلك شخصية مميزة. ولكن على الرغم من المودة الشخصية والاحترام الذي يكنه الشيخان للدكتور أيمن الظواهري خليفة بن لادن في قيادة تنظيم القاعدة, اعترفا أنه لا يمتلك تلك القوة والشخصية التي تمكنه من مجابهة تنظيم الدولة. فمن بداية عهده لم يمتلك الظواهري قوة عسكرية مباشرة أو أي نوع من السيطرة العملياتية, فقد اعتاد على العمل وإدارة التنظيم بطريقة لامركزية فأصبح شبه معزول. 
وبحسب المقدسي فإن البنية التنظيمية لتنظيم القاعدة قد انهارت ويعتمد الظواهري في إدارة التنظيم على ولاء أتباعه فقط. فلم يعد هناك أي هيكلية تنظيمية للقاعدة, فقط بعض قنوات الاتصال بين القيادات وبعض الولاء للقائد الظواهري. ولسوء الحظ عمل تنظيم الدولة بكل جهد على خفض هذا الولاء لقائد التنظيم. 

 

الدكتور منيف سمارا, محارب قديم شارك بالجهاد الأفغاني وأحد المقربين من الشيخين المقدسي وأبو قتادة. يدير عيادة مجانية لمعالجة الجرحى السوريين من مقاتلين ومدنيين. تفوق خبرته عن القاعدة كل من الشيخين وذلك لاطلاعه المباشر على حركة التغيرات اليومية التي تطرأ على هذه المنظمة الجهادية. وكثيرا ما اعتنى بإدارة شؤون الشيخين عندما كانا في السجن. 
قال سمارا في أحد لقاءاته “بدأت التبرعات التي كانت تصل لتنظيم القاعدة بمعدل مئات الآلاف من الدولارات بالانخفاض نتيجة لتوجه قسم كبير منها لصالح تنظيم الدولة. كما أحجم الكثير من الممولين عن إرسال الأموال بحجة عدم إراقة دماء المسلمين بالاقتتال الدائر بين التنظيمين.”
وأكد أيمن دين مقولة سمارا وهو عضو سابق في تنظيم القاعدة, انشق عنها والتحق بالمخابرات البريطانية التي كان يعمل معها كجاسوس بتصريح لصحيفة الغارديان البريطانية قائلا” أخبرني أحد مصادري في منطقة العشائر الباكستانية بأن الوضع المادي لتنظيم القاعدة في مركز وزيرستان سيئ للغاية لدرجة أن أعضاء التنظيم هناك اضطروا لبيع أجهزة الحاسب المحمول الخاصة بهم وسياراتهم لشراء الطعام ودفع أجور السكن”
وأضاف سمارا ” يحاول تنظيم الدولة هدم تنظيم القاعدة من الداخل من خلال استهداف المجاهدين القدامى داخل التنظيم”
حصل تنظيم الدولة على الأموال في العشر سنوات التالية لتفجيرات الحادي عشر من أيلول بشكل ضخم جدا وغير مسبوق من أي تنظيم جهادي آخر على مر التاريخ. ونما بشكل كبير وحصل على ولاء العديد من المجموعات الجهادية في كثير من بلدان العالم فامتدت سلطته لتصل إلى أوربا وأفريقيا وجنوب آسيا. ولم يحدث من قبل اجتماع مجموعات جهادية مختلفة ومتباينة وفي مناطق جغرافية متباعدة تحت قيادة موحدة وراية واحدة كما حدث مع القاعدة. حقق بن لادن هذا الانجاز الفذ من خلال المرونة العقائدية التي عمل بها فلم يعمل على الدخول في متاهات الإفتاء الشرعي والتحريم والنهي القطعي في المسائل الفقهية الصغيرة تجنبا للنزاعات الفكرية التي من الممكن أن تحدث والتي مزقت العديد من التنظيمات الجهادية السابقة. وتماشيا مع اسمها ” تنظيم قاعدة الجهاد” تصرف التنظيم كمركز تجمع للمجاهدين من جميع أنحاء العالم وتلقي الدعم المادي والتنظيمي. 
يتم اختيار القادة في تنظيم القاعدة بعد إجراء دراسة دقيقة للمجاهدين. فقط من يكون معروفا في ساحات القتال وخاض المعارك وجاهد في البوسنة أو الشيشان أو أفغانستان ولديه قدر جيد من العلم الشرعي الضروري يرتقي إلى مراتب عليا في قيادة التنظيم. وعلى الأمراء المعينين مبايعة الأمير العام أسامة بن لان والقسم بالولاء المطلق له والطاعة.
وبعد مقتل قائد تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في 2011, استلم قيادة التنظيم الدكتور أيمن الظواهري الذي وجد نفسه معزولا جغرافيا عن ساحات الجهاد ومراكز قيادة العمل الجهادي. فبينما هو موجود في الجبال الوعرة بين أفغانستان وباكستان, انتقل مركز العمليات الجهادية آلاف الأميال بعيدا عنه إلى سوريا والعراق. وبسبب تكثيف الجيش الأمريكي والباكستاني الحملات العسكرية والقصف الجوي على مناطق انتشار القاعدة في أفغانستان أصبح من الصعب جدا على الظواهري البقاء متصلا بأمرائه الميدانيين في ساحات الجهاد. “ما هي القيادة” أضاف سمارا ” إذا كان قائدكم في أفغانستان وجنودكم في العراق؟؟”
في الواقع, كان فرع تنظيم القاعدة في العراق هو تنظيم الدولة في العراق وكان مصدرا للمشاكل منذ تأسيسه عام 2003 بقيادة أبو مصعب الزرقاوي. فقد كان هذا التنظيم سعيدا باستخدام اسم القاعدة وأموالها ولكنه غالبا ما تجاهل النداءات المتتالية بزيادة درجة اتصاله وارتباطه بالقيادة المركزية في أفغانستان بما فيها مناشدات بن لادن نفسه. وفي عام 2010 تجاوز تنظيم الدولة في العراق الخطوط الحمراء, بتعيين أبو بكر البغدادي قائدا للتنظيم دون الحصول على موافقة مسبقة من تنظيم القاعدة. والذي لم يعرف عنه قادة القاعدة أي شيء. (من هو ومن أين أتى وما مدى خبراته العسكرية وعلمه الشرعي وإن كان يمكن الوثوق به أم لا).

أظهرت الوثائق التي جمعت من مقر إقامة بن لادن في أبوت أباد أثناء الغارة بوجود شرخ كبير بين قيادة القاعدة وقيادة تنظيم الدولة في العراق. ومن بين الوثائق رسالة من الأمريكي آدم غادان عضو تنظيم القاعدة والمتحدث الرسمي لها, موجهة لقائد التنظيم بن لادن في كانون الثاني من عام 2011 قائلا فيها” لماذا يجب السماح لجماعة تنظيم الدولة في العراق بتلطيخ سمعة القاعدة بعمليات الذبح العشوائي, في حين لم تبذل قيادته أي جهد للبقاء على اتصال مع القيادة المركزية. ربما من الأفضل أن لا يكونوا في صفوف المجاهدين. يجب تطهير صفوف المجاهدين منهم, فهم مثل بقعة النجس التي يجب وتطهيرها” وبعد أقل من ستة أشهر من الرسالة قتل بن لادن وانتقلت إمارة التنظيم للظواهري وهو لا يمتلك نفس الكفاءة اللازمة للتعامل مع هذه المشكلة. 
بحلول ذلك الوقت كان تنظيم الدولة في العراق على وشك الانهيار بسبب الضربات الأمريكية المستمرة وظهور ما يعرف بالصحوات التي عملت على ضرب تنظيم الدولة في العراق من الخلف. لكن اندلاع الثورة في سوريا في آذار 2011 أدى لخلط الأوراق السياسية في المنطقة وأعاد الأمل من جديد لتنظيم الدولة في العراق بالوقوف على قدميه وإعادة بناء قوته من جديد.

 

أعطى اندلاع الثورة السورية فرصة جديدة للبغدادي لإعادة بناء تنظيمه الذي كان على وشك الانهيار في العراق. ففي أواخر عام 2011 أرسل البغدادي أحد أفضل قادته “أبو محمد الجولاني” إلى سوريا للاستفادة من حالة الفوضى القائمة وتأسيس فرع جديد لتنظيم الدولة في سوريا. فعبر الجولاني الحدود السورية مصطحبا معه بعض المعدات و التمويل اللازم والأسلحة ومجموعة من أفضل مقاتلي تنظيم دولة الإسلام في العراق لتشكيل ما يعرف الآن “بجبهة النصرة”. والتي سرعان ما أصبحت إحدى أهم الفصائل المسلحة المقاتلة على الأراضي السورية. وبحلول عام 2013 أصبح الجولاني أحد أبرز القادة قوة وإدارة, وازدادت جبهة النصرة في سوريا قوة وانتشارا, مما أثار المخاوف عند البغدادي بأن يقوم تنظيم القاعدة بتقديم الدعم للجولاني مباشرة وتعيينه كأمير لفرع القاعدة في سوريا, فيصبح بذلك مستقلا عن تنظيم الدولة في العراق.
وفي الثامن من نيسان من عام 2013 أعلن البغدادي عبر تسجيل صوتي بث على الانترنت اندماج كل من تنظيمي جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق تحت مسمى واحد هو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. وطالب قيادات جبهة النصرة التي أصبحت تسيطر على مناطق واسعة من سوريا في عدة محافظات بتغيير اسمها ورفع راية الدولة الجديد على مقراتها المنتشرة في كل من الرقة وحلب وحمص. هذا الإعلان كان بمثابة ضربة استباقية أدت ولأول مرة إلى تمزيق وحدة الحركة الجهادية العالمية منذ تأسيس تنظيم القاعدة. 
رفض الجولاني الانصياع لأوامر البغدادي والانضمام للتنظيم, فبعد إعلان البغدادي بيومين أصدر الجولاني تسجيلا صوتيا رفض فيه الانضمام للبغدادي وأعلن فيه البيعة والولاء لقائد تنظيم القاعدة أيمن الظواهري. وناشد الشيخ الظواهري بالتدخل السريع لحل هذه المشكلة الطارئة.
وخلال 24 ساعة” أرسل الظواهري رسالة لكلا القائدين تدعو للتهدئة. وطالب كلا القائدين بإرسال كافة التفاصيل عن المشكلة ليطلع عليها قبل أن يطلق حكمه بقضية الخلاف هذه. وعلى الفور أرسل البغدادي رسالة خاصة إلى الظواهري رافضا فيها تقديم أي نوع من التنازلات, ومحذرا الظواهري من تقديم أي مساعدة للجولاني الخائن “الذي نقض البيعة” على حد تعبيره. مشيرا إلى أن لا حل لهذه المشكلة سوى إراقة المزيد من الدماء.
وفي الـ 23 من شهر أيار أصدر الظواهري حكمه بالقضية, مصدرا أوامره بحل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام, التي أنشئت بدون إذن مسبق منه. وطالب البغدادي بالالتزام بحدود العراق وعدم تجاوزها إلى سوريا. وبتعيين الجولاني أميرا لفرع تنظيم القاعدة في سوريا. وعلى الأميرين في العراق والشام العمل على إثبات قدراتهما للقيادة المركزية في تنظيم القاعدة خلال سنة من هذا القرار. وبعد انتهاء العام ستقرر القيادة المركزية لتنظيم القاعدة ماهية الخطوة التالية. 
حمل هذا القرار الجديد في طياته للبغدادي حلا للمشكلة القائمة وتهديدا مباشرا له. فعلى البغدادي الآن إما الانصياع للأوامر والعودة عن تنظيمه الجديد ومتابعة نشاطه في العراق فقط أو أنه سيفقد منصبه ومكانته في قيادة تنظيم القاعدة للأبد. وقام الظواهري بتعيين أبو خالد السوري كموفد خاص للتأكد من تطبيق قراره بهدوء, وللإشراف على حل أي نزاعات أخرى قد تنشأ في المستقبل.
وصرح عضو سابق في تنظيم الدولة” رفض الكشف عن اسمه” لصحيفة الغارديان البريطانية ” أثارت رسالة الظواهري الأخير السخط الشديد عند البغدادي, فقد أصيب بالصدمة عندما أعتبر الجولاني ندا له ومساويا له في المقام. بالإضافة إلى الأوامر التي تنهاه عن الاقتراب والتدخل في الأحداث الجارية في سوريا, التي بذل الكثير في التخطيط لها “. فالجولاني كما هو معلوم أحد عناصر تنظيم الدولة في العراق وقد تلقى الدعم العسكري والمادي من البغدادي الذي أرسله إلى سوريا لتأسيس جبهة النصرة هناك.
وبحسب المقدسي قوبل موفد الظواهري “أبو خالد السوري” بازدراء من قبل البغدادي ورفض الانصياع لأوامر الظواهري بترك سوريا والالتزام بحدود العراق, وبدأ البغدادي بمهاجمة الظواهري علنا قائلا ” لقد انتهى عهد القاعدة”. مما دفع أبو خالد السوري للتهديد بنشر الموضوع على وسائل الإعلام في حال لم يتراجع البغدادي عن مواقفه.
بعد هذه التهديدات التي وجهها أبو خالد السوري بنشر إملاءات الظواهري المهينة للبغدادي على الإعلام ( نشرتها قناة الجزيرة القطرية في شهر حزيران 2013), أصدر البغدادي ردا مزعزعا لهذه الأوامر في بيان قال فيه “طالما فينا قلب ينبض أو عين ترف, فإن دولة الإسلام في العراق والشام باقية”. فكانت هذه المرة الأولى منذ تأسيس تنظيم القاعدة التي يرفض فيها أحد أمراء التنظيم الانصياع لأوامر القائد العام للتنظيم. وبحسب أبي قتادة “كانت بمثابة قرع ناقوس الخطر لتنظيم القاعدة”.

وفي صيف عام 2013, بدأ تنظيم الدولة بالتجهيز للمعركة وإعداد العدة مهيئا نفسه للسيطرة على المناطق السورية الخاضعة لسيطرة جبهة النصرة والتي كان يعتبرها من حقه.
وبمساعدة تنظيم الدولة في العراق استطاع المئات من السجناء الإسلاميين الهرب من السجون العراقية والانضمام لصفوفه. حيث قام التنظيم بضرب أسوار هذه السجون بقذائف الهاون وتدمير مداخلها باستخدام السيارات المفخخة. كما عمد التنظيم بحسب وثائق سرية مسربة نشرتها صحيفة ديرشبيغل الألمانية, بوضع خطط للاستفادة من تدفق المهاجرين العرب والأجانب القادمين إلى سوريا بدون تنسيق مسبق مع أي فصيل سوري آخر. فهؤلاء المقاتلين الأجانب يعملون بولاء مطلق لأمرائهم, وهذا المطلوب منهم وخاصة أنهم سيستخدمون بمقاتلة الفصائل المناهضة للأسد.

“رحيم” أحد المقربين من الشيخ المقدسي, كان مساعدا شخصيا لأبي مصعب الزرقاوي مؤسس تنظيم القاعدة في العراق الذي تطور لاحقا ليصبح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. كان رحيم شاهدا على التحولات الداخلية التي طرأت عل التنظيم بعد تولي أبو بكر البغدادي قيادته. ظهر رحيم فجأة في أحد الأيام في بيت المقدسي بعد سماعه إشاعات تفيد بأن أتباع تنظيم الدولة قد اعتدوا على شيخه القدسي. وصف رحيم في مقابلة أجراها بعد عدة أيام قادة تنظيم الدولة بأنهم ينتمون إلى تيارات فكرية دينية مختلفة عن الفكر الديني الجهادي لتنظيم القاعدة. وأشار إلى أن عدد من الشخصيات البارزة في النظام البعثي العراقي السابق سيطرت على قيادة التنظيم مؤخرا.
وقال رحيم: رفض الزرقاوي عندما كان على رأس التنظيم ضم أي شخص تابع للنظام البعثي القومي العلماني السابق. ظنا منه أن العراقيين عموما والبعثيين على وجه الخصوص يفتقرون للتقوى. فقد كانت العراق دولة علمانية أبان حكم صدام حسين الذي قمع التيارات الفكرية الإسلامية بوحشية أثناء حكمه. فالعراقيون بشكل عام كانوا متأثرين بالفكر البعثي القومي بحسب ما قاله رحيم.
وأضاف رحيم “بعد مقتل الزرقاوي في عام 2006, ضعف تنظيم الدولة في العراق كثيرا بسبب الهجمات المتكررة من القوات الأمريكية والصحوات السنية التي ثارت بسبب العنف الشديد الذي مارسه التنظيم في العراق. فقررت الحلقة الضيقة لقيادة التنظيم على إثرها التخلي عن بعض الشروط الأساسية للانضمام لهم وذلك بمحاولة منهم لإنقاذ التنظيم من الانهيار. فيكفي معرفة بعض السطور من القرآن ووجود اللحية للانضمام لهم. فشكل البعثيون القدامى الذين أداروا البلاد سابقا عشرات السنين أحد أهم المصادر الجديدة للمجندين في صفوفهم. فضباط ومخابرات صدام حسين السابقين يعرفون جميع نقاط الضعف لدى الجيش العراقي الحالي, ويعلمون مواقع الفساد الإداري في هيكلية القوات العراقية الحالية في جميع مدن وبلدات العراق. فبعد سقوط النظام العراقي السابق فقد هؤلاء الضباط مصادر دخلهم والنفوذ الذي كانوا يتمتعون به, ووجدا في تنظيم الدولة المطية المناسبة لاستعادة أمجادهم السابقة.
وكشفت الوثائق التي نشرتها صحيفة ديرشبيغل الدور الكبير الذي لعبه ضابط الاستخبارات الجوية العراقية السابق المعروف بـ ( حجي بكر) في استيلاء تنظيم الدولة على شمال سوريا. ووفقا لما قاله رحيم فإن حجي بكر ساهم في ضم مجموعة كبيرة من البعثيين القدامى لتنظيم الدولة في العراق.

ويعتقد رحيم أن هؤلاء الضباط السابقين الذين وصلوا إلى مراكز عالية في قيادة التنظيم هم من قاموا بترشيح أبو بكر البغدادي لاستلام قيادة التنظيم عام 2010. قال رحيم “لم يكن البغدادي من القادة الأساسيين للتنظيم قبل تعيينه, وكان هادئا وضعيف الشخصية. ولم يمتلك أي خبرة عسكرية سابقة ولم يمتلك القدر الكبير من العلم الشرعي الذي يتصف به كبار قادة القاعدة. إلا أنه حاصل على شهادة دكتوراه في الدراسات الإسلامية, وكان عائلته تدعي الانتساب لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والأهم من ذلك كله أنه لم يكن بعثيا سابقا.

بعد اختيار البغدادي كقائد جديد لتنظيم الدولة في العراق ومبايعته, انقطعت جميع اتصالات التنظيم مع القيادة المركزية لتنظيم القاعدة إلا في بعض الحالات النادرة. وعمد تنظيم الدولة إلى إبعاد جميع المجاهدين القدامى الموالين لتنظيم القاعدة عن مراكز القرار ببطء, إما بالتهميش المتعمد لهم أو عن طريق تصفيتهم في ساحات المعارك. وبحسب ما قاله رحيم “عند صدور قرار الظواهري بحل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في شهر أيار من عام 2013 لم يكن قد تبقى أحد من المجاهدين القدامى المواليين للقاعدة في قيادة التنظيم”.
وفي وقت لاحق من ذلك العام, عندما تركز اهتمام العالم والمجتمع الدولي على الأسلحة الكيميائية التي بحوزة نظام الأسد, خطط تنظيم الدولة للسيطرة على الحدود السورية التركية الممتدة على مسافة 500ميل. تلك الحدود التي كانت المعبر الأساسي للمواد الغذائية والأسلحة والمواد الطبية والمقاتلين الجدد لجبهة النصرة والكتائب المناهضة للأسد في تلك المنطقة. فإذا استطاع التنظيم السيطرة عليها سيؤدي ذلك إلى قطع الإمدادات وخنق التنظيمات المنافسة لتنظيم الدولة بما فيهم جبهة النصرة. 
وبحلول شهر كانون الأول بدأت المدن الحدودية الهامة استراتيجيا بالسقوط الواحدة تلو الأخرى بيد التنظيم. وعمد مقاتلو تنظيم الدولة إلى مهاجمة المدن السورية المحررة من سطوة الأسد والسيطرة عليها وقتل عناصر الثوار المتواجدين في تلك المناطق وتصفية من يجدونه من عائلاتهم. كما بدأ التنظيم بخطف كبار قادة الفصائل المقاتلة وقادة الحراك الثوري السلمي المتواجدين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم. واضعين في الحسبان بأن هؤلاء الثوار هم الوحيدون الذين يمتلكون الشجاعة والجرأة للانقلاب على تنظيم الدولة في المستقبل. 
وفي شهر كانون الأول من عام 2013, أوفدت جماعة الجبهة الإسلامية المناهضة للأسد الدكتور حسين سليمان وهو أحد القادة البارزين في الجبهة الإسلامية, لحل خلاف نشب بينها وبين تنظيم الدولة على أحد حواجز التفتيش التابع لتنظيم الدولة قرب بحيرة الأسد شرقي البلاد. فقام تنظيم الدولة باحتجازه وسجنه مدعين أنه جاسوس. وعند عدم عودته اتصل قادة الجبهة الإسلامية بتنظيم الدولة للاستفسار عنه, فأكد قادة التنظيم نبأ اعتقاله. فطالبت قيادة الجبهة الإسلامية بتحريره فلا يجوز شرعا أسر وسطاء السلام. وطالبوا قيادات التنظيم بالخضوع لمحكمة شرعية مستقلة للبت في قضيته. وطبعا رفض تنظيم الدولة هذا الأمر.
وفي 31 كانون الأول 2013 تم تسليم جثة الدكتور حسين سليمان للجبهة الإسلامية في صفقة لتبادل الأسرى بين الطرفين. كانت جثة الطبيب الشاب مشوهة بشكل كبير فقد قطعت إحدى أذنيه وخلعت أسنانه وكانت إحدى ساقيه مكسورة والقسم العلوي من جمجمته محطما. وفي اليوم التالي نشرت الجبهة الإسلامية صورا لجثة الطبيب الشاب المشوهة على الانترنت بجانب صورته الأصلية قبل وقوعه في الأسر. فانتشرت هذه الصور بسرعة البرق في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي, مما أثار موجة عارمة من الغضب والاحتجاجات في عدة مدن سورية نددت بوحشية تنظيم الدولة. وعمد مقاتلو الدولة لإطلاق النار على المتظاهرين العزل في المدن الخاضعة لسيطرتهم مما زاد من حدة الغضب ضد تنظيم الدولة في سوريا. 
في غضون أيام، أعلنت مجموعات وفصائل مقاتلة كبرى “ومنها جبهة النصرة جناح تنظيم القاعدة في سوريا” الحرب على تنظيم الدولة. وأدت المعارك الطاحنة بين فصائل المعارضة وتنظيم الدولة في الأشهر الأولى من عام 2014 إلى مقتل عدد كبير من المقاتلين من كلا الطرفين.وجرت عمليات خطف متبادلة لكبار قادة الفصائل المعارضة والتنظيم انتهت بالتعذيب والقتل. ونتيجة لهذه المعارك اضطر تنظيم الدولة إلى الانسحاب من ومواقعه غرب سوريا. ثم بدأ تنظيم الدولة بتوطيد مواقعه شرق البلاد وقرب الحدود العراقية وتدعيم مراكزه حول آبار النفط الموجودة في تلك المنطقة,حيث نشبت معارك طاحنة بين تنظيم الدولة وجبهة النصرة داخل مدينة الرقة وفي المدن المنتشرة على طول ضفاف نهر الفرات.
في 16 كانون الثاني عام 2014، نشر أبو خالد السوري على الانترنت رسالة مفادها أن تنظيم الدولة يسعى لإفساد الجهاد الشامي كما أفسد الجهاد العراقي. وعلى المجاهدين توجيه نيرانهم إلى الكفار بحسب تعبيره, لا لصدور إخوتهم المجاهدين في الفصائل الأخرى. وبعد سبعة عشر يوما من هذه الرسالة أعلن الظواهري طرد تنظيم الدولة من تنظيم القاعدة.
وجاء الرد القاسي من تنظيم الدولة على قرار الظواهري في الحادي والعشرين من شهر شباط, حيث أرسل تنظيم الدولة خمسة استشهاديين إلى حلب حيث يقيم أبو خالد السوري, وعند وصولهم إلى هدفهم قام أحد الاستشهاديين بتفجير حزامه الناسف مما أدى إلى مقتل خادم الظواهري المخلص أبو خالد الذي أرسل بمهمة سلام من أفغانستان لحل النزاع الحاصل بين تنظيمي الجبهة والدولة في العراق.

تابع الشيخان المقدسي وأبو قتادة المعارك الناشبة بين تنظيمي القاعدة والدولة بقلق متزايد من خلف قضبان سجنهما في الأردن. وشعر أبو قتادة أن التاريخ يعيد نفسه, فتجربة الجهاديين في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي تتكرر الآن. فقد كان أبو قتادة أحد المؤيدين المتحمسين للجماعة الإسلامية في الجزائر قي بداية الأمر, وكان يقدم لهم الفتاوى الشرعية التي تجيز قتل أعدائهم. ولكن أعضاء الجماعة الإسلامية انحرفوا عن المنهج الصحيح للجهاد وبدأ أعضاؤها بقتل مسلحي المجموعات المنافسة للجماعة. مما دفع أبو قتادة لجمع بعض العلماء حوله للتشهير بالجماعة الإسلامية هناك وفضح الانحراف الفكري لديهم وتعريتهم أمام الجماعات الإسلامية الجهادية الأخرى. والآن بعد أكثر من 20 عاما, أراد أبو قتادة من الشيخ المقدسي الانضمام إليه لشن حملة مماثلة ضد تنظيم الدولة لفضحهم علنا وكشف انحرافهم عن قواعد العمل الجهادي المقبولة.
طلب المقدسي من أبو قتادة تأجيل حملته تلك, فقد بقي لديه بعض الأمل بعودة تنظيم الدولة إلى المسار الصحيح والتراجع عن أخطاءه والانضواء مجددا تحت راية تنظيم القاعدة. فقد وصلته بعض الرسائل من كبار قادة تنظيم الدولة تدل على ندمهم على ما حصل سابقا. وتقول إحدى تلك الرسائل” نحن نقر أننا ارتكبنا بعض الأخطاء ونعلم أن بعض مقاتلينا متشددين لدرجة التطرف ولكنهم قلة” وبحسب ما كتب فيها فقد كانت موقعة من قبل أحد شرعيي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وذكر في نهايتها أنها كتبت بطلب من بعض الأخوة المجاهدين في تنظيم الدولة. ولذلك اعتقد الشيخ المقدسي بإمكانية توحيد راية الجهاد من جديد وذلك بخطة جيدة للمصالحة بين أطراف النزاع.
كان الظواهري على اطلاع دائم بمحاولات المقدسي التدخل لحل الخلاف عن طريق وسطاء بينهما, وفي أواخر عام 2013 استطاع المقدسي التواصل مع الحلقة الضيقة في إدارة تنظيم الدولة عن طريق أحد تلامذته السابقين ويدعى تركي بن علي. وهو شاب بحريني يحترم جدا تعاليم شيخه السابق المقدسي ولشدة ولعه والتزامه بتعاليم أستاذه كان يلقب بين أصحابه بخليفة المقدسي. انضم بن علي لصفوف تنظيم الدولة سابقا وارتقى في المناصب حتى أصبح الكاتب الرسمي للبغدادي, وفي ربيع عام 2014 تم تعيينه أميرا شرعيا على تسليح التنظيم. 
أوفد المقدسي اثنين من طلابه لمقابلة بن علي شخصيا في سوريا, بعد ظهور بوادر مشجعة لحل الخلاف. محذرا بن علي في حال عدم وجود نية صادقة لدى تنظيم الدولة لحل الخلاف الحاصل بينه وبين تنظيم القاعدة, فإن التنظيم يخاطر بمواجهة حملة كبيرة من التنديد من كبار مشايخ ومنظري الفكر السلفي الجهادي في العالم. فجاء رد بن علي ليؤكد لشيخه المحبوب بأن البغدادي لا يريد شيئا سوى حل الخلاف والاتفاق مع تنظيم القاعدة. ولكن بعد مرور شهر على هذه الرسالة واستمرار المعارك ,أيقن المقدسي أن نوايا بن علي لحل الخلاف ليست كبيرة.
أرسل بن علي لشيخه المقدسي عدة تساؤلات لتوضيحها, منها كيف أشاد الظواهري بالربيع العربي علما أن الشعوب خرجت تطالب بالديمقراطية وليس بتطبيق الشريعة؟؟ ولماذا يخاطب الظواهري رئيس الولايات المتحدة بالسيد أوباما؟؟ ملمحا إلى أن القاعدة ربما قررت ترك العمل الجهادي والاستقرار والتحول إلى منظمة سلمية؟؟ ظن المقدسي أن هذه الأسئلة سخيفة وبلا معنى ولا فائدة منها ولم يذكرها تنظيم الدولة أثناء المفاوضات التي جرت لحل النزاع سابقا.
وبحلول ربيع عام 2014 تدهورت المفاوضات بين المعلم والتلميذ بشكل خطير, واتهم بن علي شيخه السابق بالخلط نتيجة التقدم في السن. وبعد نشر بن علي لمقال قصير على الانترنت بعنوان “شيخي السابق” توقفت المفاوضات بين الطرفين نهائيا. وفي السادس والعشرين من شهر أيار 2014, اعتبر المقدسي أن المفاوضات قد فشلت وبدأ بشن حملة من الفتاوى الشرعية ضد تنظيم الدولة مساندا بالعديد من زملائه من منظري تنظيم القاعدة.

 

كتب المقدسي في أحد منشوراته “لقد أصبح من الضرورة إظهار الحقيقة, لقد استنفذنا كل وسائل النصح وضاعت جميع الآمال بإعادة تنظيم الدولة للمسار الصحيح. فلم يعد لهذا التنظيم المتمرد أي حجة شرعية.” وأضاف “إن البغدادي وأمراءه وشرعييه خوارج, لرفضهم إطاعة أوامر قادتهم وولاة أمورهم”. وناشد المقدسي المجاهدين التابعين لتنظيم الدولة بالانشقاق وترك هذا التنظيم والانضمام لجبهة النصرة. وطالب جميع المواقع الإسلامية على شبكة الانترنت بعدم نشر رسائل تنظيم الدولة.
شكلت هذه التصريحات تهديدا خطيرا على شرعية تنظيم الدولة وعلى مستقبله. مما دفع بن علي – بحسب تسريبات مفصلة من حسابات مجهولة على تويتر تحققت منها صحيفة الغارديان سابقا- لرفع تقارير مفصلة للبغدادي عن مدى خطورة هذه التصريحات التي تصدر من كبار منظري الفكر السلفي الجهادي في العالم على تنظيم الدولة ومستقبل دولة الخلافة الحالية. وأوضح فيها أن دولة الخلافة قد تنهار ما لم تتوقف هذه الهجمات. ونصح البغدادي بالعمل على تجنيد عناصر جديدة مؤثرة من المنظرين الجهاديين.
واقترح بن علي حلا بسيطا لهذه المشكلة للبغدادي “إن لم نستطع الدولة الإسلامية كسب التأييد فعليها شراءه”. وبحلول صيف وخريف عام 2014 أرسل تنظيم الدولة عدة رسائل للمقدسي وأبو قتادة وعشرة من كبار علماء ومنظري الفكر السلفي الجهادي يدعونهم فيها للانتقال للعيش في كنف الخلافة, حيث يستطيعون العمل على نشر الدين الإسلامي والفكر الجهادي دون الخوف من الاعتقال. حتى أن البغدادي كتب رسالة بنفسه للمقدسي لإقناعه بالقدوم إلى دولة الخلافة, وسيحصل لقاء ذلك على مبلغ من المال يقارب المليون دولار. كما أرسل بن علي رسالة إلى أمير تنظيم القاعدة في اليمن يعرض فيها عليه البيعة للبغدادي مقابل إعطائه 10مليون دولار. وبنفس الأسلوب تم عرض مبلغ 5 مليون دولار على أمراء تنظيم القاعدة في ليبيا.
أعطت خطة بن علي نتائج مختلفة, ففي حين رفض المقدسي وأبو قتادة وكبار العلماء هذا العرض, وكذلك فعل قادة تنظيم القاعدة في اليمن. إلا أن دعوته لاقت قبولا جيدا لدى بعض الفصائل الجهادية الأخرى في أنحاء مختلفة من العالم. ففي شهر تشرين الثاني 2014 بدأت بعض الفصائل بإعلان البيعة للبغدادي في كل من مصر وليبيا والباكستان وحتى في بعض مناطق اليمن التي تعد أقوى معاقل تنظيم القاعدة وأشدها ولاءً للظواهري. وبالتالي بدء تأثير تنظيم الدولة يتجاوز حدود سوريا والعراق ليصل إلى بقية أنحاء العالم الإسلامي.
وفي 24 كانون الأول من عام 2014 وجد المقدسي نفسه مضطرا للتفاوض مع تنظيم الدولة مرة أخرى. فبعد إسقاط الطائرة الأردنية فوق محافظة الرقة وإلقاء القبض على الطيار الأردني, اقترح المقدسي على السلطات الأردنية التدخل لإجراء مفاوضات مع تنظيم الدولة لتحرير الطيار من قبضة التنظيم بصفقة لتبادل الأسرى. وقد أوحى الدكتور منيف سمارا بهذه الفكرة لصديقه المقدسي. وعلى الرغم من قلق السلطات الأردنية على الطيار ومن وجود احتمال أن التنظيم قد قتله إلا أنهم وافقوا على اقتراح المقدسي. 
تم اعتماد برنامج التيليغرام كوسيلة للتواصل بين الطرفين وهو تطبيق للمراسلة الفورية متوفر على أجهزة الجوالات التي تعمل بنظام الأندرويد ويتميز هذا البرنامج بارتفاع مستوى التشفير للبيانات المرسلة. وفي شهر كانون الثاني من هذا العام أرسل المقدسي كلمة لتنظيم الدولة مفادها أن السلطات الأردنية ترغب بإجراء تبادل للأسرى مع التنظيم, وأنها ستحرر السجينة ساجدة الريشاوي مقابل استرجاع الطيار الأردني. وهي امرأة عراقية أرسلها الزرقاوي عام 2005 للقيام بعملية استشهادية في الأردن تستهدف فيها فندق الراديسون في العاصمة عمان. تم إلقاء القبض عليها بعد فشل حزامها بالانفجار وحكمت بالإعدام وهي تنتظر تنفيذ الحكم منذ عشرة سنوات. وذكر المقدسي كبار قادة التنظيم أنهم ورثة شرعية وتراث الزرقاوي مما يحتم عليهم الالتزام بإنقاذ حياة الريشاوي الآن. 
على الرغم من عدم معرفة المقدسي لهوية الأشخاص الذين كانوا يتواصلون معه, إلا أنه كان متأكدا من أن رسائله تصل لأعلى مستويات القيادة في تنظيم الدولة بما فيهم البغدادي نفسه. وكانت الاستجابة الأولية إيجابيه حيث تم إعلام المقدسي أن تنظيم الدولة حريص جدا على إتمام هذه الصفقة. 
وطلب الأردنيون من المقدسي الحصول على دليل على أن الطيار الأردني مازال حيا, فاستجاب التنظيم من طرفه وأرسل ملفا إلكترونيا إلى المقدسي يحمل الدليل على كونه على قيد الحياة. ولكن الملف كان محميا بكلمة سر.
وفي الثالث من شباط 2015, بعد عدة أيام من التوتر في المفاوضات, أرسل تنظيم الدولة أخيرا للمقدسي كلمة المرور اللازمة لفتح الملف. وعند استلامه كلمة السر علم المقدسي أن التنظيم قام بخداعه. فكلمة السر كانت باللغة العربية (المقدسي القواد فردة حذاء للطاغية ابن العاهرة الانكليزية).
وبعد إدخال كلمة المرور حدثت المفاجئة وظهر مقطع فيديو على شاشة المقدسي, وشاهد المقدسي الفيديو المرعب لعملية إعدام الطيار الأردني الذي شد وثاقه في فقص حديدي ثم أغرق بالبنزين وتم حرقه حيا. وبعد ذلك بثلاث ساعات نشر تنظيم الدولة هذا الفيديو على شبكة الانترنت. وردا عل ذلك قامت السلطات الأردنية بتنفيذ حكم الإعدام بحق ساجدة الريشاوي في اليوم التالي لنشر الفيديو.
لا يزال المقدسي وصديقه أبو قتادة يأملان بعودة الوحدة بين المجاهدين التي كانت سائدة في عهد أسامة بن لادن, وهما يعترفان بالانتصارات التي يحققها تنظيم الدولة على صعيد العمل العسكري والفكري والدعائي. ويقول أبو قتادة مازال تنظيم الدولة يعاني من سكرة على السلطة ولكن لابد وأن يأتي يوم يضطر فيه التنظيم للتفاوض ثانية مع القاعدة. فجبهة النصرة تحقق تقدما كبيرا هذه الأيام في سوريا ضد بشار الأسد. كما يوجد أتباع آخرون لتنظيم القاعدة لا يشك في ولائهم كجماعة أنصار الشريعة في اليمن. ويضيف المقدسي “عندما يرسل الظواهري أمرا إلى اليمن فهو على يقين تام أن أوامره ستطاع. 
ويعتقد الشيخان بأن أحداث العقد الأخير والصراع مع تنظيم الدولة, تؤكد على حاجة تنظيم القاعدة للإعادة تقييم تكتيكاته.

فبحسب المقدسي على تنظيم القاعدة الآن التركيز على نوعية المجاهدين الجدد المنضمين له وليس على كميتهم. فهو بحاجة للمخلصين الذين يتفهمون جيدا الشريعة الإسلامية وليس للذين يجعلون منها مطية لتحقيق غاياتهم الشخصية. 
ويشعر الطبيب المجاهد منيف سمارا بالقلق من عدم قدرة تنظيم القاعدة تجنيد مقاتلين جدد ضمن صفوفه. فالمجاهدون الشباب يبحثون دوما عن العمل والقتل والتفجيرات, فهم يميلون إلى النشاط والعمل وتنظيم القاعدة لا يعمل كثيرا هذه الأيام, لذلك فإنهم ينجذبون بقوة لإغراءات تنظيم الدولة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *