مقالات وآراء

“حك الصدأ” وَبل الصَّدى

حتى لا ننسى حظاً مما ذكرنا به، أعاد ماهر شرف الدين طبع مقالاته المهمة في كتاب.

يُذكّر عنوان الكتاب، بعنوان كتاب النحو الشهير؛ “قطر الندَى وَبل الصَّدى”، وكتابه يبلُّ الصدى. والصدى هو العطش. يقول السوريون: على الوجع.

وربما يُذكّر بعنوان كتاب “سقط الزند” للمعري، والشاعر الكاتب المنفي المنزَّح إلى أمريكا، لا يهدف إلى معارضة المعري، وإنما إلى معارضة أشرس نظام عربي، منذ أن عرفت سورية الأبجدية، والتي نسيتها منذ أن تولّتْ هذه الأسرة حكم سورية. ووقف عليها جهده ودأبه.

 في هذا الكتاب أضمومة مقالات منشورة، هجائية وكاشفة، وفاضحة.

يضم الكتاب ثلاثين مقالاً، بعضها يستحق التدريس في المناهج المدرسية، حتى تفهم الأجيال هوية النظام السوري، إن الذكرى تنفع المؤمنين، مثل مقال “الدعاية الجنسية ضد الثورة”، ومقال “الخطاب الطائفي في الأعلام الرسمي”، و”مات الشاعر وعاشت حمدة”، و”نرجسية نصر الله”..

في مقال الدعاية الجنسية، يذكر عشر ملاحظاتٍ حول الحرب الجنسية التي بدأها النظام مبكراً ضد شعبه، ولا يذكر التاريخ حرباً قُذف فيها شعب كريم، وأبيٌّ، وشريف مثل الشعب السوري، بهذه التهم الجنسية الفاضحة المجلبة للعار. وكان أول اتهام هو للطفل حمزة الخطيب، باغتصاب زوجات الضباط، ثم فرية جهاد النكاح، ثم تهمة الجنس المجاني في عين ترما، وتلفيق صور نرجسية لنجوم المعارضة، واستهداف النازحة اللاجئة في لقمة عيشها، واتهامها بالاتجار بجسدها، واستهداف فنانات المعارضة، بتركيب صورة جنسية لهن، وإطلاق ألقاب جنسية على قيادة المعارضة، مثل معاذ الخطيب، الذي لُقّبَ بمفتي العادة السرية، والإلحاح على حلم الحوريات، … وهي أهم مقالة كتبت عن سلاح الجنس في حربه المعقمة من الأخلاق على شعبه، مع أن المقال غفل عن المقابلات التي أجبر فيها روان قداح، وزينب الحمصي وأمثالهما على تلفزيونات النظام بالإقرار بسفاح القربى!

 وفي مقاله الثاني، يرصد كشف النظام القناع عن خطابه الطائفي، وكان يحرص قبل الثورة على إخفائه خلف طبقة من المساحيق والأصباغ الملونة مثل العروبة والعلمانية والاشتراكية.. أوعز النظام إلى ذبابة- وهو يحكم كثيراً من الحشرات- أن تطير، حاملةً بقعة سوداء، وتضعها نقطة فوق الصاد، فصار اسم وادي النصارى، وادي النضارى، ثم عاد إلى التسمية الأولى بعد الثورة، للتحشيد الطائفي، فهو في معركة مع الأكثرية السنية. وهو بالتسمية الصريحة يدغدغ عواطف الأقليات المذهبية ويجيشها.
 كشف شرف الدين حيل النظام طريقة تمرير خطابه الطائفي، في قلعة العلمانية الأخيرة في الوطن العربي، باستعانته بضيوف لبنانين طائفيين، يذكرون بمنابتهم الطائفية، بل هم رموز طائفية، والتركيز في أخبار خسائر الحرب على إصابة كنيسة أو حي لمذهب معين، والإكثار من الحوارات باللهجة الساحلية العلوية، وتسريبه رسائل طائفية، كدعوات القاتل السفاح مهراج أورال لتفريغ الساحل من السنة.

والمقال الثالث الذي يستحق الإشادة هو عن” نرجسية حسن نصر الله”، ويكشف حيلة حزب الله في إسباغ العصمة على أمينه العام، فحين يتكلم في السياسة فهو سياسي، لكن حين ينتقده الآخرون، يصير  الحزب الديني المذهبي علمانيا يحرم خلط الدين بالسياسة، والأمين العام زعيماً دينياً لا يجوز تناوله بالنقد!

وأنه بعد انتصار 2006 تضخمت (بالضاد، وليس بالصاد) ذات حسن نصر الله.  ويورد أمثلة على ترفيع حسن نصر الله ترفيعاً فوق رتبة البشر، لقد صار السيد معصوماً؛ مثال ذلك طلب سيدة لبنانية على قناة المنار الشيعية، عباءة حسن نصر الله عزاءً لها، ومكافأة. وتكرار ضيوف القناة المذكورة قولهم، إن كل الخسارات هي فداء لحذاء حسن نصر الله، وكان ذلك الحذاء أول حذاء بين الأحذية السياسية يوضع على الرؤوس تاجاً. الملك العضوض كان كسروي المنبت والفكرة، والحذاء أيضاً، واسمه لا يزال في الدول العربية “البيادة”، وهي تسمية فارسية تركية.

الثالث، هو أن صورة عملاقة لحسن نصر الله نُصبت على طريق المطار، وقد علّقَ عليها جنبلاط قائلاً لحسن نصر الله: “إن صورتك كبيرة جداً، يظهر الشعب بجانبها صغيراً”. ويروي الأمثلة تلو الأمثلة عن قدرة الرجل على توظيف مدائح خصومه لرفع درجة ذاته العلية، لقد تحوّل حسن نصر إلى مهووس بجمع الثروة التقديرية والنفسية، حتى غدتْ ثروته الشرفية، من رِبا الإعلام والتقديس الديني، برتبة إله معبود يلثغ بحرف الراء.

ويتذكر من الأمثلة خطف سوريين أحد عشر لبنانياً، لم يطالبوا سوى بفديةٍ صغيرة، وهي إقرار حسن نصر الله بالثورة السورية، والاعتذار لهم عن مناصرة الأسد، الذي طوّبها باسمه واسم آله، لكن هيهات منّه الذمة.

وفي الكتاب: رسالة إلى المثقف في البرج العاجي، وهو أدونيس، من غير أن يسميّه، فيقول: إن الثورة خرجت من الجوامع، لأن النظام لم يترك حيزاً سوى الجوامع، وإذا كان أدونيس صاحب رؤيا، ويرى النبوءات، فهو الآن يتمرأى في مرآة الدماء.

 وفي مقال خامس يشرح معنى قول حافظ الأسد: إنه لم يكن ثورة في سورية، سوى ثورة البعث، لقد كانت ثورة لم ير التاريخ مثلها. وفي مقال معادلة الحنجرة والعنق، يؤكد على استحالة إسقاط النظام بالوسائل السلمية، فالثورة “البعثية” التي ليس لها مثيل في التاريخ، لا تسقط إلا بثورة، ليس مثلها في التاريخ.

 مقالات ماهر شعرية، وتستعين بحكاية عادة، للتحليل والتمثيل، وقد سمعت أمس قصة له عبر فيديو، عن محاولات صيده الراكون، الذي كان يؤذي بيته، ثم نجح بعد محاولات عديدة، ويرى احمراراً على القفص، فيظن أنه قد غُش في القفص، الذي صدئ بسرعة، ثم يكتشف أنها دماء الحيوان الأسير، وقد استمات في التخلص حتى آذى نفسه، ثم يقول: إنها الحرية، التي لا يفهمها الأسد.

ويشبّه الثورة السورية بعصفور اصطاده له والده في طفولته، فأطلقه، فصار صيداً للهرة، وأن إرهاب النظام لا يرى بعين النظام الدولي، لأنه إرهاب ما فوق بنفسجي.

ويتذكر شرف الدين حيلة مسرحية، تستحق أن تدرس في كليات المسرح والتمثيل، وهي حيلة باعة الكراج لبيع متاع المسافر، وهي غالباً علكة، والحيلة تنفذها أمريكا وروسيا حاليا لبيع قرارتها وشعاراتها.

وكتب مقالاً طريفاً عن المضمون السياسي لشتيمة “يلعن روحك يا حافظ”، التي صارت شعاراً سورياً، وهتافا في المظاهرات، فيقول: إنها كانت طريقه للخروج من الصمت إلى السياسة، وكسر الصنم المقدس، وأضيف إلى قول الكاتب: إنها غدت ترنيمة لأعياد الميلاد، بدلا من” هابي بيرث تو يو”، وبلحنها نفسه، فهي تعني الولادة الجديدة أيضاً.

ودعا في أحد مقالاته إلى غرفة مركزية لإدارة الثورة السورية، وهو ما فشلنا فيه، لقد كانت ثورة بلا آباء، وكان النظام قد قتل الآباء، أو أفقرهم معرفياً وسياسياً، فتاه الأولاد.

 ويعذر الكاتب حارس مرمى المنتخب السوري، في مقال “حارس المرمى السوري الذي تحول إلى قلب هجوم”، ساروت الذي غيّرَ ولاءاته، من غير إدانة. لقد امتلأ مرماه بالكرات، بل إن مرماه قصف فوق رأسه بالبراميل، فماذا يفعل المسكين! إنها ثورة اضطر رياضيوها وفنانوها إلى قيادتها، وهذا من أسباب فشل الثورة السورية المغدورة.

 ويقول في مقال هجائي للشاعر عمرا الفرا عنوانه: “مات الشاعر، وعاشت حمدة”. بل نزيد على قول  شرف الدين، ونقول: إنه كان يتاجر بجسد حمدة، ويغوي الجماهير في أعراس الديمقراطية، ومواسم الجهاد اللفظي، والصوتي، والجنسي، بركبة حمدة التي “تضوي ضوي”… وأن أخوات حمدة، الآن، تغتصب في معتقلات الأمن السوري.

ويتصل بالتحليل الجنسي للنظام مقال: “صورة الأسد”، والتي اعترف إعلام النظام بأن باعة الأفلام الإباحية، كانوا يستخدمونها تعويذةً تقيهم شرَّ المداهمات الأمنية. الرئيس كان يستعمل مثل عازل جنسي وتجاري ضد إيدز الأمن. 

في الكتاب مقالات أخرى، ولا بد من التذكير بأنّ النظام في العنوان، الذي حكّ الكاتبُ صدأَه، كان من معدن. وكان يذبحنا بسيفه الصدئ، والذبح بسيف صدئ، أشدُّ الماً من الذبح، بسيف حاد.

عربي21
الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق