مقالات وآراء

حلم تأسيس “جيش وطني” للمعارضة في سوريا

لم تنجح ثورة الألف فصيل مسلح في سوريا في ذروة انتصاراتها بتجاوز خلافاتها واختلافاتها والتوحد بتشكيل كيان عسكري موحد، ومن المؤكد أنها ستفشل بتأسيس “جيش وطني” في ظل هزائمها وانكساراتها مع اتساع هوة الانقسام وتنامي حدة الصراع إيديولوجيا وعملياتيا.

وقد تصاعد الحديث عن ضرورة تشكيل جيش وطني لقوى المعارضة السياسية والعسكرية عقب خسارة العديد من المناطق التي كانت تقع تحت سيطرة المعارضة وخصوصا مدينة حلب التي شكلت بداية لسلسلة من الانهيارات لقوى المعارضة المسلحة بعد التفاهمات التركية الروسية والتي دشنت دينامية جديدة في أستانة.

فكرة تأسيس جيش وطني لقوى المعارضة السورية ليست جديدة، لكنها عادت بقوة مؤخرا حيث طالب الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، في مؤتمر صحفي عقد في 4 آب/ أغسطس 2017 بمقره في مدينة إسطنبول الدول الداعمة والصديقة، بدعم تشكيل جيش وطني موحد مكون من فصائل الثورة، وقد أعادت تركيا إحياء فكرة تشكيل جيش وطني للمعارضة بعد توتر العلاقات مع الولايات المتحدة بعد تخليها عن برنامج دعم المعارضة المعتدلة واعتمادها على قوات سورية الديمقراطية كشريك في حرب تنظيم الدولة الإسلامية من خلال عملية “غضب الفرات”، حيث قامت تركيا بتشكيل قوات “درع الفرات” في آب/ أغسطس 2016 وفي خضم عملياتها تواترت الدعوات لتشكيل الجيش الوطني وباتت أكثر وضوحا عقب خروج المعارضة من حلب في كانون أول/ ديسمبر 2016، حيث قال رئيس المكتب السياسي لـ”لواء المعتصم”، مصطفى سيجري، إن “الخطوات الأولى في تشكيل الجيش الوطني السوري بدأت”، مؤكدا أن هذا يتم “بدعم كامل من الإخوة الأتراك لإلغاء الحالة الفصائلية”، واعتبر سيجري الذي يشارك فصيله بشكل فعال في عملية “درع الفرات”، المدعومة تركيا، أن “الالتحاق بالجيش واجب لمن أراد بناء سوريا المستقبل وسوريا الثورة”.

واصلت تركيا السعي لتأسيس جيش وطني لقوات المعارضة، حيث بدأت القوات الخاصة التركية العمل على تشكيل جيش منظم من فصائل الجيش السوري الحر في الشمال السوري، وتحديداً في مناطق سيطرة غرفة عمليات “درع الفرات” بعد طرد تنظيم “الدولة الإسلامية”، في محاولة لصهر أكثر من 17 فصيلاً ودمجها ضمن قيادة مركزية منظمة، والتخلص من حالة الفوضى في الشمال السوري، قد حاز المشروع في نيسان/ إبريل 2016، على مباركة “مجلس شورى أهل العلم في الشام”، والذي أصدر بياناً “بتأييد تشكيل جيش وطني بدعم الجمهورية التركية.

نجمت إشكاليات عديدة حول فكرة إنشاء “جيش وطني”، برعاية إقليمية تركية، نظرا لطبيعة الأجندة المختلفة، فتركيا ترغب باستثمار الجيش لحفظ أمنها القومي أولا ومواجهة قوات سورية الديمقراطية وتنظيم الدولة الإسلامية كأولوية، ومع ذلك فقد وافقت فصائل عديدة على الفكرة نظرا لتخلي الولايات المتحدة عنها وباعتبار أن خطر الأكراد وتنظيم الدولة هو مشترك، وباعتبار الفكرة خطوة أولية يمكن أن تتطور لاحقا.

هل يتشكل الجيش الوطني السوري هذه المرة؟
أورينت نت – صحيفة (العربي الجديد): تاريخ النشر: 2015-06-09
ثوار سوريا ينعقد اليوم اجتماعان سوريان من شأنهما أن يكونا حاسمَين في تحديد مصير الثورة السورية، وما يُقال إنه قد يكون مساراً سياسياً لحلها.

لقد تبنت تركيا إحياء فكرة تأسيس جيش وطني لقوى المعارضة السورية بعد فشل المحاولات الدولية والإقليمية السابقة، والتي طرحت بقوة في حزيران/ يونيو 2015، حث عقد آنذاك اجتماعان أحدهما في العاصمة الأردنية عمّان، والثاني عقد بالتزامن في مدينة الريحانية التركية القريبة من الحدود السورية، وذلك لتحقيق هدفين اثنين: انتقاء ممثلين عسكريين من الفصائل الفاعلة وانتدابهم إلى صفوف الائتلاف، وتشكيل مجلس عسكري جديد يمثل معظم الفصائل الكبرى، وصولاً إلى تشكيل “جيش وطني” يتبع لوزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة التابعة بدورها للائتلاف السوري، ويضم جميع الفصائل ويستثني تنظيمي “الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة”.

تنامى الحديث عن تشكيل جيش وطني في يوليو/ تموز 2017 حيث أبدت معظم فصائل المعارضة المسلحة استعدادها لتشكيل جيش وطني يعمل تحت قيادة موحّدة، وبزيّ موحّد، ويتخذ علم الثورة السورية راية له، وكان الاجتماع الذي انبثق منه المجلس العسكري الأعلى، المعروف باسم “اجتماع أنطاليا”، قد قسّم تشكيلات الفصائل العسكريّة إلى خمس جبهات، وهي الجبهة الجنوبية (دمشق ودرعا والسويداء والقنيطرة)، والجبهة الشماليّة (حلب وإدلب)، والجبهة الشرقيّة (دير الزور والرقّة والحسكة)، والجبهة الوسطى (حماه والساحل السوري) وجبهة حمص.

هكذا فإن إعلان الائتلاف الوطني عن تأسيس جيش وطني في مؤتمره الأخير بإسطنبول جاء عقب تطورات محلية وإقليمية ودولية، وفي مقدمتها تخلي أمريكا والغرب عن قوى المعارضة السورية، وسيطرة هيئة تحرير الشام على إدلب وطرد قوات المعارضة، ومع ذلك فقد أكد الائتلاف الوطني أن الجيش الوطني سيكون جزءاً أساسياً من التحالف الدولي ضد الإرهاب، معتبراً أن برامج التدريب والتجهيز لم تكن بالمستوى المطلوب وهو الذي أدى إلى تنامي قوة تنظيمي “الدولة” و”النصرة”.

في الوقت الذي كانت تركيا تعمل على إحياء فكرة تأسيس جيش وطني للمعارضة السورية ، كانت أمريكا تعمل على تشكيل “جيش وطني” في ريف الحسكة في آب/ أغسطس 2017 اعتمادا على “جيش مغاوير الثورة”، كمكون أساسي تحت مسمى “جيش التحرير الوطني”، وهو ذات المكون الذي كان يعرف بـ “جيش سوريا الجديد”، ومن المفترض أن يكون هذا الجيش هو القوة الوحيدة المخوَّلة التوجه نحو محافظة دير الزور التي يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على معظمها، لطرد التنظيم من المحافظة.

على الرغم من الاستدارة التركية إلا أن تركيا تبقى بالنسبة لعدد من فصائل المعارضة السورية السياسية والمسلحة أقرب إلى أهداف الثورة السورية، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة  عن تخليها عن المعارضة، ففي 20 تموز/ يوليو 2017، أفاد مسؤولون أميركيون بأن الرئيس دونالد ترامب أمر بوقف البرنامج السري الذي تديره وكالة الاستخبارات المركزية لتدريب جماعات المعارضة السورية، الذي أُطلق عام 2013 في عهد الرئيس السابق باراك أوباما بهدف الضغط على الرئيس السوري بشار الأسد لإجباره على التنحي عن الحكم .

فكرة إحياء تأسيس جيش وطني لقوى المعارضة المسلحة أصبحت ملحة مع حلول كانون ثاني/ يناير 2017 والذي يمثل لحظة تاريخية فارقة دشنت تخلي الدول الغربية والعربية ممن أطلقت على نفسها “مجموعة أصدقاء سوريا” عن المعارضة السورية وتركتها لمواجهة مصيرها المحتوم بالفناء وبهذا فإن الحالة السورية إما تعيد إنتاج الحالة العراقية حيث تختفي فصائل المعارضة المسلحة الوطنية عقب مرورها بمسار “الصحوات” ولا يبقى سوى الحالة الجهادية العالمية، أو تعمل على خلق دينامية جديدة تتمثل بجيش وطني.

لا جدال أن المعارضة المسلحة في سوريا في حالة من الضعف والهشاشة، وباتت تفتقد إلى القدرة على والمناورة لفرض أي شروط جوهرية على صيغة الحل النهائي حيث تمتلك روسيا وإيران اليد العليا في توجهات النظام السوري وتمتلك أمريكا وتركيا اليد الطولة على المعارضة السورية وقد عملت هذه القوى على تأسيس توافقات في تعريف الأزمة والنزاع وتوصلت إلى تفاهمات تستند إلى خلق إجماع بأولوية الحرب على الإرهاب المتمثل في  تنظيم “الدولة الإسلامية” وتنظيم القاعدة بتسمياته المختلفة وفصائله المتعددة في “هيئة تحرير الشام” ومع انخفاض وتيرة الحرب بين المعارضة والنظام ستتصاعد الحرب ضد القاعدة وتنظيم الدولة.

فرض تنامي قوة تنظيم القاعدة المنضوي في إطار هيئة تحرير الشام والذي ظهر خلال السيطرة السريعة على مناطق حركة أحرار الشام الإسراع في الإعلان عن تشكيل جيش وطني، وكانت أحرار الشام فد ابتعدت بعن أطروحاتها السلفية الجهادية، من خلال إعلان “الهيئة القضائية” لـلحركة اعتماد “القانون العربي الموحد” في محاكمها في حزيران/ يونيو 2017، ثم اعتماد رفع علم الثورة إلى جانب رايتها، وكان “جيش الإسلام” قد تبني علم الثورة في شباط/فبرير 2017، ثم دعا إلى تأسيس “جيش وطني”.

خلاصة القول أن فكرة تأسيس جيش وطني لقوى المعارضة السورية السياسية والمسلحة، لطالما كانت حلما بعيد المنال، وقد ساهمت الاختلافات الفصائلية الإيديولوجية والبرامجية والمناطقية، والاختلافات الدولية والإقليمية بوضعه في عالم المستحيل نظرا لتضارب الأهداف بين هذه القوى، وعلى الرغم من تأكيد المعارضة السياسية والفصائل المسلحة على التزامها بمحاربة الإرهاب ممثلا في تنظيم الدولة الإسلامية ومجموعات القاعدة، إلا أن ذلك لا يعني شيئا للقوى الدولية فأمريكا وروسيا والدول الأوروبية تتعامل مع كافة فصائل المعارضة السورية المسلحة كحركات إرهابية مفترضة، وقبل ظهور تنظيم الدولة وجبهة النصرة وحتى بعد اختفائهما وهو أمر غير ممكن لن تصبح فصائل المعارضة شريكا للولايات المتحدة والغرب عموما، ولو شكلت ألف جيش وطني، وسوف تستخدم هذه الجيوش في حروبها الإرهابوية الخاصة دون أن أي ضمانة بالشفاء من داء “الإرهاب”، ذلك أن الإرهاب هو نقيض العولمة النيوليبرالية وهو جوهر الهوية العربية الإسلامية حسب الطروحات الأمريكية والأوروبية.

عربي21
الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *