مانشيت

مانشيت | لماذا تقوم الإمارات بكل هذه القذارة ؟

تثير سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة جدلاً واسعاً في الشارع العربي حول النهج الذي تتبناه تجاه قضايا المنطقة عموماً والثورات العربية خصوصاً, فالدويلة النفطية التي عززت اقتصادها بشكل ناجح وحولت أراضيها القاحلة إلى “جنان غناء” تضم مدنها أكبر المراكز المالية والاستثمارية في العالم والتي تحاول أن تسوق نفسها كواحة للتعايش والرفاه في المنطقة العربية ,لم تظهر ذلك الوجه “الجميل” في تدخلاتها المستمرة إلى جانب الديكتاتوريات العسكرية وقوى الثورة المضادة في العالم العربي بل وفي العالم.

يبسَّط خصوم الإمارات بـ”سذاجة” تفسير سياساتها بالعداء لما يسمى بـ”الإسلام السياسي”, وليس من الصعب تعليل ذلك التفسير السطحي كون الأصوات الإعلامية العالية والمناهضة لأدوار الإمارات تتبع لحركة الإخوان المسلمين والتي ترى في دولة الإمارات أشد أعدائها بعد الضربة القاصمة التي سددتها الأخيرة للإخوان من خلال دورها في القضاء على حكم الرئيس المصري المعزول محمد مرسي.

نعم تعادي دولة الإمارات حركة الإخوان المسلمين, بل إن النظرة الأولى لسياسات الدولة تُشعر المراقب بأنها تبني عقيدتها في الحكم على عداء الحركة السياسية الإسلامية الأكبر في العالم, لكن توسيع نطاق النظر في علاقات الإمارات دولياً يشير إلى رغبة حاكم أبو ظبي الفعلي محمد بن زايد “رئيس الدولة خليفة بن زايد مغيب في ظروف غامضة” بالاضطلاع بأدوار أكبر من خلال تقديم أوراق اعتماده للغرب كدولة خدمات أمنية تقوم مقام بعض الأنظمة العربية المنهارة أو التي في طريقها إلى الإنهيار, مع كره “تكويني” يكنه ابن زايد للإسلام  بنسخته التقليدية.

استفاد ابن زايد من فائض القوة والثروة الذي تملكه دولة الإمارات “1.8 تريليون درهم ناتج قومي في العام 2016”, ومع أجهزة أمنية محترفة وبنية إدارية ناجحة بالمقارنة مع نظيرتها المترهلة في الجارة الكبرى المملكة العربية السعودية, استطاعت الإمارات أحياناً – كما فعلت في مصر – من استغلال أموال المملكة ضد مصالح المملكة نفسها!!

في العام 2010 أظهرت وثائق أمريكية مسربة نظرة حكام الإمارات لأنظمة الحكم في المنطقة وموقفهم من “الإسلام”, حيث عبر محمد بن زايد نفسه في عدة لقاءات مع الأمريكيين عن سخطه من قدرة من وصفهم “بضعة رجال دين في مكة” من التأثير على منسوبي القوات الإماراتية نفسها, كما وصف المملكة بالتخلف حيث أن “أكثر من 52% من سكانها لا يستطيعون قيادة السيارة” كما أن أغلب قادتها “بين 80-85 عاماً وهؤلاء لم يسمعوا بالانترنت إلا بعد أن تجاوزا السبعين” بحسب الكلام المنسوب لابن زايد والوارد في تلك الوثائق.

إذاً يخشى حاكم أبو ظبي من تأثير رجال الدين الذي يمكنهم من حشد عشرات الآلاف من المقاتلين ويعتبره تهديداً لأمن حكمه, وقد تفسر هذه الخشية اعتماده على شركات أمنية أجنبية في تأمين القصور الأميرية والمناطق الحيوية في الدولة, كما تفسر إنشائه لما يعرف بـ”مجلس حكماء المسلمين” وهو المجلس المضاد للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين, والذي يهدف لتسويق نسخة ابن زايد من الإسلام “المعتدل” ليقف بوجه السلفية والإخوان والمدراس الإسلامية المتجذرة منذ قرون.

ورغم كل ماسبق فإن تحركات أبو ظبي في العالم تبعث على الدهشة من حيث الاصطفافات والتموضعات ولا يمكن حصر تفسيرها بالخشية من خطر محتمل للإسلام السياسي على نظام الحكم ,خصوصاً أن حركات المعارضة في دول الخليج عموماً وفي دولة الإمارات العربية المتحدة بالذات هي حركات هزيلة ولا تحظى بشعبية واسعة بين المواطنين المخدرين برفاهية العيش من جهة والحذرين من سطوة أجهزة أمنية مرعبة.

في واشنطن ولندن أهم عواصم الغرب, لعبت البعثات الدبلوماسية الإماراتية دوراً خطيراً في حشد النخب السياسية الغربية ضد ثورات الربيع العربي, حيث نشرت أعرق الصحف الغربية تقاريراً مؤكدة عن لوبيات تشكلت في أروقة الأحزاب ووسائل الإعلام, وأنفقت عشرات الملايين من الدولارات على شركات العلاقات العامة, بهدف تصنيف حركات الإسلام السياسي ضمن لوائح الإرهاب, وثني الدول الغربية عن التدخل العسكري ضد نظام الأسد في سوريا وخصوصاً بعد استعماله للسلاح الكيماوي ضد المدنيين في العام 2013, ولدعم الجنرال خليفة حفتر ضد خصومه من الإسلاميين في ليبيا.

إلا أن دعم الديكتاتوريات العربية لم يقتصر على حملات سياسية وإعلامية تديرها الإمارات في الغرب, بل تعداها إلى الدعم العسكري والمالي المباشر, فلم يعد خافياً اليوم أن دولة الإمارات بنفوذها داخل المخابرات والقوات المسلحة المصرية كانت المسؤولة عن شل الحياة العامة في عهد الرئيس مرسي حيث اختفت قوات الشرطة من الشوارع لتنتشر الجريمة والفوضى في شوارع مصر كما استنكفت شركات المحروقات العملاقة عن تقديم خدماتها للدولة والمواطنين فتوقفت حركة النقل والانتاج في أجزاء كبيرة من البلاد.

في ليبيا قدمت الإمارات دعماً بالأموال والذخائر بل إن طيرانها الحربي شن هجمات ضد الثوار المناوئين للجنرال حفتر. في سوريا أرسلت الإمارات مساعدات إغاثية علنية لنظام الأسد ودفعت بشكل سري فواتير بعض شحنات السلاح لروسيا والسيسي. في العراق تدعم قوات الحشد الشعبي كما تدعم تواجد حزب العمال الكردستاني ضد سلطات إقليم كردستان.في اليمن كانت ومازالت “الحليف الغادر” للمملكة حيث تدعم انفصال الجنوب بعد سيطرتها على عدن وتمنع فك حصار تعز بل وتؤوي عائلة علي عبد الله صالح باذلة كل ما من شأنه تعطيل حسم الحرب ضد الحوثيين.

وحتى شبه القارة الهندية تدعم الإمارات الهند ضد الباكستان حليفة العرب التقليدية. تشكل حلفاً مع اليونان وصربيا لمحاصرة تركيا, وفي كل تلك المناطق تستعمل “الجوكر” الأمني محمد دحلان الذي يعد مديرها التنفيذي للعلاقات القذرة عالمياً مقابل دعمه للعودة إلى فلسطين بمباركة إسرائيلية وتنفيذ مهمة القضاء على المقاومة الفلسطينية التي أعيت إسرائيل.

هناك مثالان هامان للحائرين يعطيان صورة واضحة عن الطريقة الذكية التي تدير بها الأمارات أذرعها الأمنية في المنطقة:

المثال الأول الجنوب السوري : حيث تمسك المخابرات الإماراتية مع شقيقتها الأردنية بـ”رسن” قادة فصائل الجيش الحر في درعا مستخدمة المال والابتزاز لتجميد الجبهات ضد نظام الأسد, وفي حالات العصيان النادرة من قبل قادات الحر فإنها تفعّل اختراقاتها لتنظيم الدولة من أجل معاقبة القادة المتمردين بالاغتيالات, محيدة بذلك واحدة من أهم جبهات القتال وأقربها إلى دمشق وريفها ومانحةً حليفتها إسرائيل هدنة طويلة على الحدود شبيهة بهدنتها التاريخية مع الأسد.

أما المثال الثاني فهو تركيا: حيث تضخ الإمارات عشرات الملايين من الدولارات على شكل استثمارات في السوق التركية المتعطشة بل وتعقد صفقات سلاح كبيرة مع الصناعات العسكرية التركية الناشئة, وفي الوقت نفسه كانت من أهم داعمي الإنقلاب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان, ومازالت حتى اليوم تمارس العداء السياسي للحكومة التركية بل وتظهره عبر إعلامها, رغم التأييد العريض الذي تناله الحكومة التركية من قبل تيار عريض من أبناء شعبها ومن قبل عشرات الملايين من العرب والمسلمين.

بعد نشوة النصر التي أصابت حكام الإمارات عقب إسقاطهم لمرسي وتحكمهم بمصر ذات التسعين مليون نسمة, فإنه من المرجح أن يكون كل من القضاء على الثورة السورية قضاءً مبرماً وإسقاط حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هما الهدفان الاستراتيجيان القادمان لحكام أبو ظبي.

وبعد هذا السرد لبعض أوجه سياسات دولة الإمارات في العالم, فإن التفسير الأرجح لتلك السياسات العداونية ضد ثقافة ورغبات شعوب المنطقة هو أن حكام الإمارات يرشحون أنفسهم أمام النظام الدولي للعب الدور الذي كان يلعبه نظام الأسد قبل الثورة السورية, فيقدمون نظامهم كنظام خدمات أمنية وعسكرية يضمن للغرب وإسرائيل كل مصالحهم في الشرق الأوسط, نظام يخترق الإسلاميين فيستخدمهم متى شاء ويضربهم أيضاً متى شاء, نظام يستطيع السيطرة على جيوش وحركات معارضة كبرى فيتحكم بمصير دول, يدفع حاكم الإمارات إلى ذلك ما رآه من دعم وتغطية مذهلة من قبل المجتمع الدولي لجرائم نظام الأسد بحجة عدم وجود بديل ,على أمل ضمان أبدية نظام الحكم في أبو ظبي في زمن إعادة رسم الخرائط من قبل الكبار.

ينقل بعض المقربون من آل نهيان قولهم بأن الإمارات هي “إرم ذات العماد” في هذا العصر, فهل يكون مصيرها كمصير “إرم” الأولى؟ وهل سيحصد حكام الإمارات قريباً مانشروه من كراهية لدولتهم؟ 

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *