مختارات الصحف

عواد باع أرضه

يبدو أنه في مأزق، عواد الذي جاء إلى الحكم على ظهر دبابة بعد أن أطاح بسلفه الشرعي المنتخب، وألقى بالآلاف المؤلفة من الرافضين لحكمه في غياهب السجون، بعد أن قتل وأحرق معارضيه الذين اعتصموا لأسابيع في ميادين العزة والكرامة، بعد أن نهب المليارات التي أغدقت عليه من كفلائه، والمليارات التي سرقها من أبناء شعبه في مشاريع وهمية “فنكوشية”، وعلى صفقات سلاح استعراضية، بعد أن دمر الاقتصاد القائم بتعويم غير مدروس للعملة الوطنية ودمر اقتصاد المستقبل بقروض ذات فوائد خيالية، بعد أن عم الغلاء الفاحش أرجاء دولته المحروسة، بعد كل الكوارث التي جلبها يبدو فعلاً أنه في مأزق.

ما كان لعواد أن يفعل كل ما فعل وينجو بفعلته إلا وهو يطمئن إلى كذبة كبيرة مغروسة في القلوب، ومزروعة في العقول يروجها على أنها حقيقة مطلقة، ويقين قاطع لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، أن من يصون الوطن ويحفظ الحدود ويقدم التضحيات تلو التضحيات ويحمي كل شبر في الوطن هو فقط المؤسسة العسكرية، والمؤسسة العسكرية فقط، وعواد ابن المؤسسة العسكرية، الذي ما فعل كل الذي فعل من الجرائم إلا حفاظاً على الوطن من أعداء الوطن الذين كانوا ينوون التفريط في الأرض، الذين كانوا ينوون بيع سيناء للفلسطينيين، وحلايب وشلاتين للسودانيين، والنيل للأثيوبيين، وقناة السويس والأهرامات وأبو الهول للقطريين. إن كل من يشكك في المؤسسة العسكرية يشكك في حامي الأرض وصائن العرض، في من يحفظ الأمن والأمان، والسلم والسلام.

 
عواد في مأزق، لأنه لا يملك الوقت الكافي لكي يروج لكذبة جديدة يبني بها شرعية جديدة، هذه المرة على أشلاء الوطن فوق أشلاء البشر، كذبة جديدة تنسي الناس الكذبة السابقة التي لم تعد تفي بوظيفتها في شرعنة حكمه.

حتى حين أتى من ينافق لم يجد أفضل من أن ينافق بما تتغنى به المؤسسة العسكرية ليل نهار: اللي حامي الأرض يسلم …. اللي صان العرض يسلم.. ها هو عواد اليوم ينقلب على نفسه قبل أن ينقلب على وطنه، ويهدم الشرعية التي برر بها كل جرائمه، شرعية حفظ الوطن وسلامته، ها هو ينزع بيده ورقة التوت التي طالما ستر بها جرائمه، والتي طالما قتل وحرق وسجن وعذب ونفى الآلاف بحجة الدفاع عن الوطن، ها هو عواد يشرب من ذات الكأس التي طالما خون بها معارضيه، ويستشفي بذات الداء الذي رمى به مناوئيه: قد استشفيت من داء بداء وأقتل ما أعلك ما شفاكا.

عواد باع أرضه التي قتل أبناء شعبه بحجة حمايتها، عواد باع أرضه التي سجن أبناء شعبه بحجة صيانتها، عواد باع أرضه التي سرق أبناء شعبه بحجة تعميرها، عواد باع أرضه التي اقترض المليارات بحجة دعم اقتصادها.

عواد في مأزق، لأنه لا يملك الوقت الكافي لكي يروج لكذبة جديدة يبني بها شرعية جديدة، هذه المرة على أشلاء الوطن فوق أشلاء البشر، كذبة جديدة تنسي الناس الكذبة السابقة التي لم تعد تفي بوظيفتها في شرعنة حكمه بعد أن باع الأرض، وتؤسس لشرعية جديدة قوامها، أن عواد هو الرئيس الشرعي لا لشيء إلا لأنه عواد، فعواد هو الأرض وهو الوطن وهو الحدود وهو الشعب وهو من يبذل الغالي والنفيس وتقدم التضحيات دفاعاً عنه، ويبدو أن الصفقة أمام عواد أثمن من أن تتأخر أو تؤجل، ويبدو أن المشتري ليس له رصيد من الصبر يوازي رصيده من المال.

 
عواد ليس إلا حارس العمارة الذي باع بلكونة شقة في الطابق الخامس، وحين اعترض صاحب الشقة قائلاً: والحارس يبيع البلكونة بصفته إيه؟ جاءه الجواب: بصفته إنه هو اللي بيحافظ على الأمن.

عواد فرط بأهم الأوراق التي كان يلعب بها في الداخل، ويسوق بها كذبه على شعبه، هذا الشعب الذي احتمل كل شيء في سبيل الدفاع عن الأرض لن يقبل أن يسلب ما خسر كل شيء من أجله، ربما تيران وصنافير ليستا إلا جزيرتين صغيرتين على طرف بعيد من أطراف البلاد، ولكنهما جزء من هذا الوطن الذي ضحى الآباء بماضيهم والأبناء بحاضرهم ومستقبلهم دفاعاً عنه، والتضحية بشبر من الوطن تضحية بالوطن جميعاً، على منوال “مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً”.
 
عواد ليس إلا حارس العمارة الذي باع بلكونة شقة في الطابق الخامس، وحين اعترض صاحب الشقة قائلاً: والحارس يبيع البلكونة بصفته إيه؟ جاءه الجواب: بصفته إنه هو اللي بيحافظ على الأمن، وبيحمي العمارة.. إن غداً لناظره، وإن سنة الله لن تخطئك يا عواد، فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا.

عن: مدونات الجزيرة
الوسوم